جويل غسطين

وثائقي ومعرض صُور لفاديا أحمد: علاقات إنسانية وحنين إلى الأزرق

7 دقائق للقراءة

عملان فنيّان يسلّطان الضوء على جوهر الإنسان ويشكّلان معًا رحلة واحدة نحو سؤال أكبر: كيف نتواصل؟، تقدّمهما المصوّرة والمخرجة والفنانة فاديا أحمد. في فيلمها الوثائقي "Together" تسبر أغوار العمق الإنساني للعلاقات بين الأفراد، ومن خلال مراقبة حسّاسة ودقيقة، وبأسلوب يجمع بين الصراحة العاطفية والصدق البصري، يستكشف الفيلم الخيوط غير المرئية التي تجمع البشر: من الرقة، والشفافية الإنسانية، إلى الأصالة، والشجاعة الهادئة التي يتطلّبها الحفاظ على الروابط في عالم يزداد تفككًا. أما في معرض الصُّور "Between Two Shades of Blue" فتصحب أحمد الجمهور إلى بحر بين ضفتَين ووطنَين، بحثًا عن الذاكرة والهويّة. 

تلفت فاديا أحمد إلى أن ولادة فيلمها الوثائقي "Together"، الذي يُعرض الليلة وغدًا (9 و 10 كانون الأول الجاري) بعد عرض أول مساء الإثنين في "سينما ميتروبوليس" (مار مخايل - بيروت)، جاءت من رغبة ملحّة في العودة إلى ما هو خام وصادق وبعيد عن التجميل. فوسط عالم تتسارع فيه الإيقاعات وتُقدَّم العلاقات من خلال مظاهر سطحية، أرادت أحمد بلوغ الجوهر الحقيقي الذي يتكوّن منه الرابط بين شخصين.

تدخل أحمد إلى أكثر المساحات حساسيّة في العلاقة الإنسانية، تلك المنطقة التي لا يصلها الضوء بسهولة، تتابع قصص أزواج ينتمون إلى بيئات وثقافات مختلفة، وتقترب من اللحظات التي تكشف العلاقة بدل أن تشرحها: نظرة تتجنب أخرى، ابتسامة ناقصة، اعتذار غير مكتمل، وعودة إلى الصدق بعد فترة من الصمت.


مرآة مكبّرة للعالم

ترى أحمد في حديثها مع "نداء الوطن" أن تصوير الأزواج في هذا الفيلم تجاوز فكرة توثيق تجربة فردية، ليصبح بمثابة مرآة مكبّرة للعالم. فالتفاعل بين شخصَين، بحواراته وصمته وخلافاته ورقته، يتحوّل إلى نموذج مصغر لما يحتاجه البشر اليوم: الإصغاء، التسامح، والمساحات الآمنة للتعبير، موضحةً أن الأزواج الذين اختارتهم، رغم اختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم، استطاعوا بناء هذا التعايش بفعل الحب، مما يعكس قدرة الإنسان على التواصل رغم التباين.

لا يسعى الفيلم، كما تقول فاديا أحمد، إلى تقديم دروس أو إجابات جاهزة، بل يفتح مساحة هادئة لمراقبة كيف تتشكل العلاقة، كيف تتصدّع، وكيف تُرمَّم بأقلّ الكلمات وبأكبر قدر من الصدق. فهي ترفض أن يتحوّل الوثائقي إلى دليل إرشادي للعلاقات، مفضلةً أن يخرج المشاهد محمَّلًا بأسئلة جديدة لا بإجابات نهائية. وتؤكد أن هدفها هو أن يرى المتلقي علاقاته بوضوح أكبر، وبقدر أعلى من اللين والوعي. فإذا استطاع الفيلم أن يحرّض لحظة فهم أو يعمّق إدراكًا لطريقة تواصل البشر مع بعضهم، فإن ذلك يُعدّ بنظرها مساهمة، ولو بسيطة، في بناء عالم أكثر هدوءًا وسلامًا.

تؤمن المخرجة فاديا أحمد أن بناء علاقات إنسانية صحية في الزواج، يعني زرع بذور أعمق لمجتمعات أفضل. فالمجتمعات تُبنى من العلاقات، والسلام يولد منها، في حين أن الحروب غالبًا ما تكون نتيجة فشلها. وانطلاقًا ممّا سبق، يصبح فيلم "Together"  أكثر من فيلم عن الأزواج، إذ يتحوّل إلى تأمُّل في هشاشة الإنسان، في حاجته لأن يُفهَم وأن يُصدَّق، وفي محاولته الدائمة للبقاء معًا رغم كل شيء.


التحدّيات

توضح فاديا أحمد أن التحدي الأكبر في العمل كان إيجاد مساحة آمنة تسمح للأزواج بأن يظهروا على طبيعتهم. فتصوير الحميمية، برأيها، يحتاج إلى حضور دقيق يكاد يشبه الغياب؛ حضور يقترب من دون أن يتطفل، ويستمع من دون أن يوجِّه، ويراقب من دون أن يترك أثرًا في المشهد. وقد تطلّب الأمر فهم الإيقاع العاطفي الخاص بكل ثنائي، والتعامل مع اختلافاتهم بحساسية عالية.

وعلى المستوى التقني، شكّل التصوير داخل البيوت والمساحات الخاصة تحديًا مستمرًا، إذ فرض على فريق الفيلم التأقلم مع ظروف متغيّرة بشكل دائم. لكنها ترى أن هذه الصعوبات جعلتها أكثر انتباهًا وصبرًا، وذكّرتها بالمسؤولية الكبيرة التي تترتب على محاولة التقاط حقيقة أشخاص يسمحون للكاميرا بالدخول إلى أعمق مناطقهم.


الهوية والانتماء

تزامنًا، تُطلق المخرجة والمصوّرة فاديا أحمد معرضها الفوتوغرافي الفردي "Between Two Shades of Blue"، ابتداءً من 12 كانون الأول الجاري في "No Chef In The Kitchen" (مار مخايل، بيروت)، وتكشف فيه تجربة بصريّة تتخطّى حدود المشهد لتلامس قضايا الهوية والانتماء. ينطلق المعرض من البحر، وتحديدًا المتوسّط، بوصفه مساحة تختزن طبقات من الذاكرة، وتوثق العيش بين وطنَين يفصل بينهما ظلّان مختلفان من الأزرق.

يستعيد هذا العمل مسارها الشخصي، هي المولودة على الضفة الأخرى، بين لغة وسماء لا تشبهان لغتها وسماءها الأولى، لكنها لطالما احتفظت بعبارة والدتها: "ما وراء هذا الأزرق… هناك لبنان". ومع مرور الوقت، تحوّل الأزرق، بالنسبة لها، جسرًا يربط بين مكانَين، وأثرًا يفضح المسافة والغياب. عن البحر تحديدًا تقول أحمد في لقائها معنا: "البحر يصل بين جانبَي حياتي، لكنه أيضًا يكشف المسافة بينهما. فهو يوحّد ويفصل في الوقت نفسه. عندما أصوّر البحر، ألتقط ذلك التحرّك الداخلي: الانتماء واللاانتماء، القرب والغياب، جمال العيش ووجعه بين مكانَين". 

وتضيف موضحةً أنّ الأزرق بالنسبة لها هو نوع من المشهد الداخلي: نفس، مسافة، مكان يتعايش فيه الصمت والذاكرة. يحمل الهدوء والحنين معًا، إذ  "حملتُ هذا اللون معي طوال حياتي، إنه نبرة أسفاري، وحنيني، وأفق نفسي، لذا كان من الطبيعي أن يصبح المحوَر الذي يدور حوله المعرض".

أما في صُور المعرض، فيتخذ الأزرق أشكالًا متعددة: لونًا للطفولة والذكريات، ولونًا للفقد والانتظار، ولونًا لذلك الأفق الذي يوحّد رغم كل ما يفرّق. ومن هذا التنوّع تنجح فاديا أحمد في التقاط لحظة الانقسام الهادئ بين انتماءَين، وتوثيق إحساس يعرفه كل من يعيش بين مكانَين ويجد نفسه حاملًا كليهما في قلبه.


الرؤية الفنية

تؤكد الفنانة اللبنانية - الإسبانية أن تجربة العيش في بلدان عدّة، لعبت دورًا محوريًا في تشكيل رؤيتها الفنية. فالعيش بين أكثر من منزل من دون الاستقرار الكامل في أيّ منها، يمنحها شعورًا دائمًا بالمسافة والتأمل، ويعلّمها النظر إلى العالم من منظور "المسافة بَين". هذه النظرة انعكست بشكل واضح في أعمالها، حيث تظهر آفاق تتردّد وخطوط تحمل حقيقتَين في الوقت عينه. وتضيف أن هذه الازدواجية أصبحت لغتها البصرية والعاطفية، ومنحتها حسًّا عميقًا بالتسامح والتواضع، وتجربة فنية تتميّز بالقدرة على التعبير عن الانتماء المزدوج والتقاطع بين الثقافات والذكريات.


بين الفيلم والمعرض

يشترك إذًا كلٌّ من الفيلم الوثائقي والمعرض الفوتوغرافي في السؤال نفسه: كيف نتواصل؟ ففي الفيلم، يتمحور الاتصال حول شخصَين، حول العلاقة الزوجية وما تحمله من تفاهم وصراع وحنان. أما في المعرض، فيتمثل الاتصال بين مكانَين، وهويَّتَين، وذكريات متراكمة. ومع اختلاف المستويات، يظلّ الجوهر واحدًا: فهْم المسافة بين العناصر المختلفة، واستكشاف الطريقة التي تكشف بها العلاقات عن طبيعتنا وهويتنا. إذ على المستوى الميكروسكوبي، يتمثل ذلك في الزواج، وعلى المستوى الماكروسكوبي، في الإنسانية جمعاء.

رغم أن إطلاق العملَين في الوقت نفسه لم يكن مخطَّطًا له في البداية، إلا أن تزامنهما بدا منطقيًا، كما لو أن كل مشروع ينادي الآخر. وهكذا، يكشف كل منهما جانبًا من البحث الداخلي ذاته، ويخلق عرضهما المتزامن نوعًا من الصدى ومساحة للتنفس المشترك.



المصوّرة والمخرجة فاديا أحمد




صورة بعدسة فاديا أحمد





من صُور معرض "Between Two Shades of Blue"