جوزيف بوهيا

خطاب جعجع… ثلاث إشارات تهزّ قلب المعادلة اللبنانية

4 دقائق للقراءة

لم يكن خطاب سمير جعجع في المؤتمر العام الأول لحزب “القوات اللبنانية” مجرّد محطة حزبية داخلية أو مناسبة تنظيمية روتينية. ما قيل في معراب تجاوز لحظة الخطاب إلى ما يشبه البيان السياسي التأسيسي لمرحلة لبنانية مختلفة؛ مرحلة تُطوى فيها صفحة الصمت والرمادية، وتُفتح أخرى عنوانها المواجهة الواضحة مع بنية السلطة والسلاح معًا.

أخطر ما حمله الخطاب كان الربط المباشر والصريح بين الانهيار المالي-الاقتصادي وبين البنية العسكرية والأمنية لحزب الله. يضع جعجع السلاح خارج الدولة في موقع “السبب البنيوي” للانهيار، وليس مجرد عامل إضافي في مشهد معقّد. وفق هذه المقاربة، يتحوّل السلاح إلى أصل كل الأزمات: انهيار المؤسسات، تعطّل الدولة، تفكّك النظام المالي، وفقدان الثقة الداخلية والخارجية.

هذه ليست مقاربة سياسية تقليدية، بل إعادة صياغة كاملة للرواية الوطنية؛ رواية تقول إن أي إصلاح أو إعادة بناء لن يكتمل ما دامت هناك سلطة موازية تُمسك بقرار الأمن والسياسة، وتُفرمل الدولة عند كل استحقاق. بهذا المعنى، يخرج الخطاب من دائرة السجال إلى دائرة التأسيس: الدولة لا تُبنى في ظل ازدواجية السلاح، والإنقاذ الاقتصادي يبدأ من نقطة واحدة: استعادة احتكار الدولة لقرارها.

هذه الرسالة تُرسل في اتجاهين: إلى الداخل اللبناني المنهك، وإلى المجتمع الدولي الذي يبحث عن طرف محلي مستعد للذهاب إلى النهاية في معركة بناء الدولة.

الرسالة الثانية، والتي لا تقل خطورة، كانت المواجهة المباشرة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. فالقول إن بري يعطّل قانون الانتخاب وحق المغتربين ليس قراءة دستورية، بل إدانة سياسية تطال أحد أكثر أركان المنظومة ثباتًا منذ ثلاثة عقود. هذا الكلام يضع “الثنائي” — وليس حزب الله وحده — في قلب الأزمة، باعتباره شريكًا كاملاً في تعطيل الدولة والتحكّم بمسارها السياسي.

وفي الزمن اللبناني، حين يقرّر طرف سياسي كسر التوازن التقليدي في العلاقة مع بري، فهذا يعني انتقالًا من المعارضة الجزئية إلى المواجهة الشاملة. إنها لحظة كسر رموز لا كسر مواقف فقط.

أما الرسالة الثالثة، الأكثر عمقًا واستراتيجية، فهي تحويل القوات اللبنانية من حزب سياسي إلى مشروع دولة كامل الأركان. الطريقة التي قُدّم فيها المؤتمر، والمنهجية التي تحدّث بها جعجع عن التنظيم والرؤية، تعكس استعدادًا لمرحلة ما بعد الانهيار، مرحلة يكون فيها البلد بحاجة إلى قوة سياسية قادرة على ملء الفراغ وإدارة المؤسسات.

هذا الخطاب لا يعرض المعارضة فقط؛ إنه يقدم “القوات” كبديل جاهز، منظم، ويمتلك رؤية سيادية–إصلاحية قابلة للتطبيق. وباللغة السياسية الدقيقة، هذا إعلان جاهزية لدور أوسع بكثير من دور المعارضة في برلمان معطّل.

اللافت أن هذه الرسائل الثلاث — السلاح، المجلس النيابي، مشروع الدولة — ترتبط ببعضها بطريقة تكشف نية سياسية واضحة: إعادة رسم خريطة الاصطفافات قبل انتخابات 2026، ورفع سقف المعركة من مستوى المطالب إلى مستوى الخيارات الوجودية للدولة. فجعجع لا يناقش قانون انتخاب أو ملفًا إداريًا؛ هو يناقش هوية الدولة نفسها، ومن يملك حق قيادتها في العقد المقبل.

الدلالات العميقة للخطاب لا تقتصر على مضمونه، بل على توقيته أيضًا. ففي لحظة إقليمية مضطربة، وفي وقت تعيد فيه القوى الخارجية تقييم مقاربتها للبنان، يقدّم جعجع نفسه وحزبه كـ“الشريك المحلي الجاهز” لأي مشروع دولي أو عربي لإعادة بناء الدولة. وهذه إشارة يعرف جيدًا من يستمع إليها، في الداخل والخارج، معنى توقيتها وأبعادها.

باختصار، خطاب جعجع لم يكن مجرّد موقف في لحظة توتر لبناني، بل كان إعلانًا صريحًا بأن المعادلة التي حكمت البلاد منذ ثلاثة عقود وصلت إلى نهايتها. فمن يملك السلاح لا يمكنه أن يطلب من الآخرين بناء الدولة، ومن يسقط مؤسسات الجمهورية لا يمكنه أن يدّعي حمايتها. في معراب، سُمِع كلام يطوي مرحلة ويؤسس لأخرى: مرحلة الصراع المفتوح بين مشروعين، الأول يريد دولة تستعيد قرارها، والثاني يريد دولة تستعيد شكلها فقط. وفي بلد يتحرك على حافة الفراغ والاشتباك، يصبح السؤال الذي طرحه الخطاب أكثر من سياسي: يصبح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل لبنان نفسه.

من هذه اللحظة، لم يعد ممكنًا إدارة لبنان بالالتفاف والمساكنة. فإما دولة كاملة تمسك بقرارها، أو دولة ساقطة في قبضة القوة التي تعلو عليها.