د. بيتر جرمانوس

الدولة المفاشلة… واحتفالات السقوط

قراءة في التحوّلات السورية واستفتاء الشارع اللبناني على نفوذ حزب الله وصعود الشارع السني

6 دقائق للقراءة

لم يكن ما شهده لبنان خلال اليومين الأخيرين مجرّد انفجار فرح عابر بسقوط نظام بشار الأسد. اللبناني، كما يعرف المجتمع الدولي جيّدًا، لا يفرح بهذه السرعة ولا ينزل إلى الشارع بلا دعوة رسمية ولجنة تنظيم ووسيط سياسي وممول. ما حدث كان لحظة سياسية مكتملة الأركان: استفتاء لبناني–سوري على حدود نفوذ حزب الله داخل الأراضي اللبنانية، خرج في ثوب احتفالات شعبية تُذكّر — وفق التعبير الفرنسي — بأن الجماهير تقول أحيانًا ما تعجز النخب عن قوله.

الشارع الذي قال كلمته: استفتاء على النفوذ

المشهد الأبرز كان في لبنان...

المظاهرات التي ملأت طرابلس وصيدا والبقاع الغربي وبيروت والناعمة وخلدة لم تكن احتفالًا بريئًا بسقوط الأسد. معظم الدبلوماسيين والباحثين الذين تابعوا الحدث — من بينهم تقارير International Crisis Group — أجمعوا على أنّ ما حدث هو رسالة سياسية–أمنية موجّهة مباشرة إلى حزب الله، تم تتويجها بإظهار القدرة على قطع طرق رئيسية والسيطرة على مفاصل استراتيجية وصولا الى مدينة مثل طرابلس.

محور خلدة الناعمة على وجه الخصوص، تلك المنطقة التي تشكّل “الخاصرة الحسّاسة” الفاصلة بين الضاحية والجنوب، خرجت برسالة لا تحتمل التأويل:

> السماء تضربك، والأرض تهتزّ تحتك.

> قواعد الاشتباك تغيّرت.

ونجح السنة برسم حدود نفوذهم على الارض اللبنانية في رسالة مزدوجة الى حزب الله كما الى مؤسسات الدولة الشرعية تقول لم يعد بالإمكان تجاهلنا، نحن هنا، ولا احد يستطيع القفز فوقنا بعد ان كانت القيادة السنية اللبنانية في السابق تتناغم مع حزب الله بحجة حماية السلم الاهلي.

التزامن بين المظاهرات والضربات الجوية الإسرائيلية خلق مشهدية “مسرحية” متجانسة: ضربة من فوق، صدى من تحت. وهو تزامن لم يمرّ على الحزب كخبر عابر.

دمشق في واشنطن: تحوّل يشبه القطع التاريخي

زيارة الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع إلى البيت الأبيض مثّلت انقلابًا في الجغرافيا السياسية للمنطقة. فوفق مراكز أبحاث أميركية مثل Washington Institute وCSIS، يدخل هذا الحدث ضمن إطار “إعادة هندسة المشرق” بعد سقوط آخر ركائز النفوذ الإيراني في الشرق الادنى.

دمشق — التي كانت الشريان الاستراتيجي لحزب الله — وجدت نفسها فجأة شريكًا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. وبما أنّ الحزب مصنّفًا كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، يصبح النظام السوري الجديد — نظريًا على الأقل — ملزمًا بمكافحة أنشطة حزب الله، لا برعايتها.

هكذا، من دون مفاوضات معقّدة أو لجان مشتركة، سقط النظام فاختفت “المقاومة” معه. إنها لحظة تغيير تُصنّفها الصحافة الأميركية تحت خانة policy rupture — أي الانقطاع الحاد مع مسار تاريخي امتد نصف قرن.

حزب الله: قراءة متأخرة لواقع جديد

يقف حزب الله أمام معادلة غير مسبوقة منذ 1982:

* سقوط النظام السوري الذي شكّل عمقه الاستراتيجي وممره الإلزامي.

* تقلّص نفوذ الحرس الثوري في المنطقة وإنهاء المشروع النووي الايراني.

* شارع شيعي محاصر ومثقل بالخسائر البشرية والاقتصادية.

* شارع سني منتعش بعد “عودة دمشق إلى الاموية” مدعوما من العثمانية الجديدة.

* شارع مسيحي بحالة إنكار يختبئ خلف المناسبات والرموز الدينية بعد فقدان أدوات القوة السياسية ويلعب دور المتفرج.

ورغم ذلك، يواصل الحزب التفكير بعقلية “المشروع الإلهي” الذي لا يخضع لمعادلات الأرض.

السؤال المركزي، بحسب تقارير Carnegie Middle East Center، يصبح:

هل ما زال الشيعة مستعدّين لدفع ثمن مشروع إقليمي انتهى سياسياً في العراق، وسقط عسكرياً في سورية، وتهشّم ماليًا في إيران؟

أم أنّ “كأس الصبر” قد امتلأ، وأن زمن المعارك المفتوحة بات خلفهم؟

المسيحيون… بين الاحتفالات وإنكار الواقع

الظاهرة الأكثر سخرية في المشهد كانت الموقف المسيحي:

* يرفع شعار “الدولة”… فيما الدولة انهارت.

* يدافع عن “المؤسسات”... فيما المؤسسات تبخّرت.

* يطالب بالشرعية… فيما الشرعية موزّعة بين الداخل والخارج.

* يقف موقف المتفرج اسير تروما الهزيمة العسكرية واسير عقدة النفي والسجن.

في 1992، عندما كانت الدولة تُبنى، عارض جزء كبير من المسيحيين دخول النظام السياسي.

واليوم، بعد انهيار الدولة، يرفعون رايتها كمن يرفع لافتة لمسرحية أُقفلت منذ سنوات.

هذا ما يمكن وصفه — سياسيًا — بـ عقلية حزب الملاهي:

عندما يعجز المجتمع عن قراءة الواقع، يهرب إلى تنظيم المناسبات وتنظيم ذكرى الشهداء واستعادة الماضي لعدم القدرة على تخيل المستقبل.

وعندما يفشل في إنتاج سياسة، يرفع هاشتاغًا.

وحين ينهار الإقليم، يستقبل البابا… ثم يختلف على لائحة المدعوين.

هذه ليست سخرية، بل تعبير عن صدمة جماعية لم تُعالَج منذ نهاية الحرب.

الانسحاب الأميركي وصعود العثمانية الجديدة

تحليلات توم باراك، السفير والمبعوث الأميركي المقرب من الرئيس ترامب، تجد صداها اليوم بدقة:

الولايات المتحدة تنسحب تدريجيًا من الشرق الأوسط، وترسم لنفسها دور “الضامن عن بُعد”، بينما تتقدّم قوى إقليمية لملء الفراغ: تركيا، السعودية، اسرائيل.

وهو ما تشير إليه دراسات RAND Corporation وBrookings وتقرير الامن القومي الإستراتيجي الاخير.

في هذا السياق:

* المشروع الإيراني يتهاوى وطهران تموت من العطش.

* نظام الأسد إنهار وصعود "الأموية" الدمشقية.

* تركيا تستعيد “العثمانية الجديدة” بوصفها قوة سنّية–إقليمية ودولية صاعدة.

* والخليج يعيد بناء تموضعه عبر شراكات أمنية واقتصادية وسلام ابراهيمي قيد التحضير.

لبنان، كالعادة، يقف على الهامش:

قسم يصفّق، قسم يجزع، وقسم مشغول بالتحضير لمهرجان جديد.

استحالة التقاء الحزب بالدولة

في ضوء هذه التحوّلات، يصبح التقاء حزب الله بالدولة اللبنانية — وفق المعايير الواقعية — أمرًا مستحيلًا.

الدولة، مهما ضعفت، قائمة على شرعية واحدة.

الحزب قائم على شرعيتين: محلية وإيرانية.

والإقليم يطلب وضوحًا:

أين يقف لبنان؟

مع تركيا؟

مع العرب؟

مع الولايات المتحدة؟

أم في خندق طهران كما كان منذ 2005؟

حزب الله وحده يصرّ على البقاء في الخندق، رغم أنّ سقفه انهار من فوق (سورية) وأرضيته تشقّقت من تحت (البيئة الشيعية والاقتصاد اللبناني) واسرائيل سحقته من السماء.

بلد يشتري الوقت… والوقت يشتريه

لبنان بلدٌ مأزوم ودولة مافيوبة فاشلة على كل المستويات:

يحتفل بسقوط نظامٍ قتل شعبه، ويخشى سقوط حزبٍ قتل دولته، ويصرّ على شعار “نحن بخير” بينما الجغرافيا تُعاد رسمها فوق رأسه.

المظاهرات في اليومين الاخيرين قالت الحقيقة بأسلوب واضح:

الزمن تغيّر…

وحزب الله لم يسمع الخبر بعد.

أما المسيحيون، فمستمرّون في الاحتفال والتمسك بدور المتفرج او الزوج المخدوع.

وأما الشيعة، فهم أمام أصعب سؤال منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

وأما الدولة اللبنانية، فهي تراقب… وتشتري الوقت… حتى إشعار آخر.



مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية