"مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ الْمُسْتَسْلِمِ لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى والظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً، إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرِكُ، (...) وَجَدْتُكَ بَعْضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي...."
هكذا باشر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطابه إلى الإمام الحسن بن علي بعد انصرافه من صفين، فكان خطابا وجدانيًا فلسفيًا متضمنًا حكمًا بليغةً ودروسًا في الدنيا والدين والحكمة وعلم الاجتماع، واللافت في هذا الخطاب أن أمير المؤمنين خص الإمام الحسن منزلة لم يخصها غيره ولم يمنحها سواه، إذ قال "وجدتك بعضي بل وجدتك كلّي"، فالحسن المجتبى في صريح النص هو كل أمير المؤمنين وهو الذي بويع بالخلافة من بعده.
الإمام الحسن صالح معاوية واشترط عليه " لا تفتي بفتيا، ولا تقضي بمسألة، ولا تتسمى بأمير المؤمنين، ولك من ذلك أن يكون لك سلطانك الدنيوي، وما في يديك من أمر الأمة... ". هذا النص يوضح أن الإمام الحسن فصل بين السلطان السياسي الذي تنازل عنه لمعاوية، وبين السلطان الديني والشرعي الذي بقي عنده وعند آل البيت، فتم فصل الدين عن الدولة في نص واضح وعقد بيّن لا التباس فيه ولا شك.
كل ما تقدّم لم يمنع سفيان بن أبي ليلى الهمداني أن يسلٍّم عليه بـــ"يا مذل المؤمنين"، وأن يحاججه فيقول: "خلعت أمر الأمة من عنقك وقلدته هذا الطاغية".
لم يتورّع ممثل الإسلامي السياسي في أصحاب الامام الحسن أن ينتقده ويعيب عليه الصلح، مع أن الرسالة العابرة للأزمنة في صلح الحسن، تجاوزت أبعاد المعركة والحكم والعدالة إلى مغزى عقائدي أعمق وأدق، فالدين في مفهوم آل البيت، الذين أذهب عنهم الرجس، أرقى من الدولة وحقن الدماء أولى من سفكها: فيجوز تسليم الدولة لكن لا يمكن تسليم الدين. فالدين في منهجية آل بيت النبوة يعلو على السياسة، والدين وجد لهداية وخير الانسان والارتقاء به إلى الملأ الأعلى.
أما في منهاج السلطة فالدين وسيلة من وسائل التحكم بالناس وأداة من أدوات السلطة: هذا هو نهج جماعة المكتب السياسي وسار على نهجهم الكراكيب الذين أمعنوا في التنكيل بالمؤسسة الدينية التقليدية العلوية واستلاب قوتها وإخضاعها للسلطان الدنيوي، وعندما خسروا مواقعهم السياسية، وأودى بهم عملهم، تقمصوا المؤسسة الدينية الرسمية في جبل محسن وجعلوها أداة نفوذ سياسي يخاطبون الدولة من خلالها ويمارسون النفوذ المالي والسياسي عبرها، ويعينهم في ذلك جماعة المكتب السياسي في حزب الله، في سعيهم المستمر والدؤوب لتحطيم الأحرار في هذا الوطن خاصة العلويين ونخبهم المثقفة، فهذه النخب يحاربونها محاربتهم للسيد أبي شعيب محمد بن نصير ولا يتورعون عن قذفها بأقذع النعوت كما قذفوا السيد أبا شعيب ويغرون بها السوقة الفجرة المعتاشين على موائدهم كما أغرى تجار قريش صبية الطائف لشتم رسول الله (ص).
هذا التنكيل لا يختلف عن التنكيل بالعلويين في الساحل الشرقي للمتوسط، فهنا يُفرض عليهم الكراكيب، وهناك يتم قتلهم على حد العواء كما تم مع الشهيد أحمد خضور الذي رفض أن يعوي فقتلوه، أو كما يحدث مؤخرا إذ يُسأل سائق سيارة أجرة عجوز "أعلوي أنت؟" ثم يُذبح بالسكين، أو كما حصل البارحة مع الشهيد مراد محرز الشاب الصابر على محن الحياة المكافح بصمت، مرت به مجموعة "صيادة" سألوه أعلوي أنت؟ ثم قتلوه رميا بالرصاص.
في الساحل الشرقي للمتوسط أصبح التلذذ بقتل العلويين والإمعان في إذلالهم، والابداع بالتنكيل بهم، "رياضة ترفيهية مقدسة" يُتقرَّب بها إلى الله، ومع ذلك لم يُسلِّموا على الإمام إلا بـــ "يا معز المؤمنين" فكانت السلمية في الاعتصامات والإضرابات عزًا وكرامة التزامًا من العلويين بأمر إمامهم الحسن، فالعلويين ليسوا أهل فتنة، وليسوا جبناء، فإنهم بصدور عارية ونفوس أبية يجددوا عهد انتصار الدم على السيف.
في أتون الأزمات وقد عمّت الفتن خرج علينا تيمور أزهري بتقرير كناه بــ "الصحفي" في رويترز يزعم فيه التحضير لفتنة مع أنه سمع من علويين كثيرين وأنا منهم أن خيارنا ليس الحرب وليس الدماء وأن العلويين سيكافحون الظلم بالسلمية، ومع ذلك استحضر أسماء من غياهب التاريخ كل حيثيتها ناتجة عن ارتباطها بنظام البعث، وزعم في تأليبه الرأي العام العالمي على العلويين استرجاع سيناريو الفلول؛ سيناريو تروج له سلطة الأمر الواقع كبعبع تخوف به أبناء الشعب السوري، وشماعة تلقي عليها باللائمة كلما فشلت في إتمام واجباتها والتزاماتها، ففي خطاب السلطة أصبح العلويون "راجح" يُلام إذا لم تهطل الأمطار، وإذا زلزلت الأرض، لكن العلويون مع استجابتهم للقوى الخارجة على منطق البعث والمخالفة لمفاهيم الكراكيب، كالمجلس السياسي برئاسة د. أمجد بدران، ومع التزامهم دعوة الشيخ العلامة غزال غزال بالتحركات السلمية أثبتوا كما الرحابنة في بياع الخواتم كذب ادعاءات تيمور أزهري ومن لف لفيفه. إن التحرك السلمي المستمر للعلويين في الساحل الشرقي للمتوسط هو تعبير صريح وواضح عن حقيقتهم، والتزامهم أمر إمامهم والأئمة المعصومين من آل بيته.
في مقابل المنهاج العلوي المتجسد في دعوات الشيخ العلامة غزال غزال والدكتور أمجد بدران، وفي خطاب النخب العلوية السياسية في لبنان، تجد لدى جماعة المكتب السياسي وأتباعهم الكراكيب منطقا مخالفًا لنهج الامام وانتهج بعدًا دنيويًا في مقاربة العقيدة، واستغلالا للعقيدة في تقديس المصالح المرحلية الظرفية فإذا بهم يقدسون الأداة ويجعلون منها صنمًا لتصبح غاية الوطن أن يحمي السلاح بدل من أن يحمي السلاح الوطن.
البارحة وقف مبعوث "الإسلام السياسي" توماس باراك ناطقًا مرغمًا بما جاء في صحف البنتاغون والمصدق لما بين يديه من تمنيات الكنيست، نطق المبعوث قائلا: ليس المهم انتزاع السلاح بقدر ما هو مهم التحكم بالسلاح. أي أن شرعنة السلاح وإخضاعه للسيادة الدستورية اللبنانية هي جوهر المسألة.
غير أن جماعة الإسلام السياسي لا يتقبلون الخضوع لسلطان القانون في لبنان ولا لسلطان السيادة اللبنانية، ويبدو أن لهذا الفريق في فرعيه السني والشيعي ثأر مع صخرة الروشة وما تمثل، ولا أدري لعل تحتها في خضم الأمواج المنسابة بقايا مدرسة الحقوق البيروتية في الزمن الروماني Schola Juris Berytensis. فكلما شاء فريق أن يتحدى سلطان القانون وقف إزائها متحديًا كمن يتحدى رمزية بيروت أم الشرائع.
هذا النهج الخارجي على سلطان القانون تجاوز خروج قطري بن الفجاءة على أمير المؤمنين، فهم يرفضون سلطان القانون والمؤسسات الدستورية والعقد الاجتماعي حتى ولو استشهد كل يوم جلمود من تركة السيد، فهؤلاء الذين سرقوا حتى جراحه لا يتوانون عن المقامرة بدماء الشهداء وبمعاناة بيئتهم الحاضنة على مذبح مجدهم الشخصي ومكاسبهم الآنية.
نعم سرقوا حتى جراحه، وكانوا جعدة بنت الأشعث، آملين أن ينالوا حظوة لم تنلها، ويتبعهم الكراكيب في نسق غريب يجولون فيه على القوى السيادية في لبنان عساهم يتمكنون من ليّ عنق القانون ليمددوا سلطانهم ويأسروا مستقبل العلويين.