لا حاجة ليجلس رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل وجهاً لوجه كي يبدأ "بازار" التعيينات الإدارية، المرشحة لتكون سلّتها، الأكبر منذ عقود. حلبة الإعلام تتيح مجالاً واسعاً أمام الرجلين لتبادل الرسائل المشفّرة، الموقعة باسميهما أو بوكلاء عنهما، والتي يعرف كل منهما كيف يقرأ أبعادها ومراميها.
وكلّ ما يشهده مسرح السجالات السياسية والقصف المتبادل بين ركنَي التسوية الرئاسية، ما هو إلا أحد تجليات الصراع الخفي حول سلّة التعيينات المنتظرة. عملياً، إقتحم النقاش حول الأسماء المرشحة لدخول "ملاك الفئة الأولى"، الصالونات المغلقة والجلسات المقفلة. ويفترض أن تغرق الحكومة في وقت قريب في هذا المستنقع، خصوصاً أنّ ثمة مواقع قضائية لا تحتمل التأجيل ولا بدّ من بتّ مصيرها في أسرع وقت ممكن.
عملياً، مهما تعاظمت قوة باسيل ومَدّه رئيس الجمهورية بالفيتامينات التي تسمح له بالتصرف على أساس أنه الحاكم الفعلي والمتحكم بشؤون الرئاسة، والشريك المسيحي الأوحد والأقوى، فلن يكون في مقدوره أن يضع يده على حصة الطوائف الأخرى، حتى لو استهلّ مشوار المفاوضات حول التعيينات الإدارية بوضع الفيتوات على بعض الأسماء التي يطرحها رئيس الحكومة لبعض المواقع المحسوبة على الطائفة السنية.
يقول أحد المواكبين لهذا الملف، إنّ كل ما يحكى عن اعتراضات يسجلها رئيس "التيار الوطني الحر" على بعض الأسماء المطروحة من جانب الحريري، ليست إلا محاولة مبطّنة من جانب باسيل للضغط على رئيس الحكومة في سبيل إطلاق يديه في ما خصّ الكوتا المسيحية.
كل حركة باسيل تَشي بأنّه سيتقمص "القاشوش" ليضع الحصة المسيحية في جيبه، أقله، أهم مواقعها. هي فرصته الذهبية ليتسلل إلى الإدارة الرسمية ويكرّس نفوذه في عروقها. وهو لن يضيّعها بسهولة. ولذا، يسعى إلى تكبيل يديّ الحريري لكي ينأى الأخير بنفسه عن حصتَي معراب وبنشعي.
ولكن طالما أنّ "القوات" و"المردة" موجودتان على طاولة مجلس الوزراء، وقادرتان على تحويل هذه الشراكة إلى صوت فاعل، فسيحولان دون احتكار خصميهما، رئيس "التيار الوطني الحر" كل الحصة المسيحية، خصوصاً أنّ بعض المواقع الأساسية، تخصّ وزارات يشغلها وزراء من "القوات" أو "المردة"، وتفرض بالتالي التفاهم مع الوزير المعني لرفع الاسم إلى مجلس الوزراء. وهذه واحدة من أوراق قوة هذين الفريقين.
وقد أكد رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع "أنّ الحل بسيط جدًا وهو اعتماد آلية واضحة، وأريد أن أذكّر باسيل أنّه حين نقول إن ما للمسيحيين للمسيحيين فهذا لا يعني أنّ ما للمسيحيين له".
وتفيد المعلومات أنّ الضغط الذي يمارسه باسيل يهدف إلى التفاهم مع الحريري على سلة تعيينات متكاملة، ولو أنّها ضخمة جداً وتتطلب العديد من الجلسات الثنائية والثلاثية للتفاهم عليها قبل رفعها الى مجلس الوزراء. إلا أنّ التفاهم المنشود، وفق المعلومات، يفترض أن يشمل أبرز المواقع، ليُصار إلى تمريرها على مراحل إلى مجلس الوزراء. ولهذا مثلاً وضع ملف نواب حاكم مصرف لبنان في "الدرج" بعد التفاهم عليه، في انتظار بتّ التعيينات الأساسية.
أمّا الملاحظة الأخيرة فهي أنّ السلة المنتظرة لا تحمل ثقلاً ديبلوماسياً، على خلاف ما يعتقد البعض، كون التشكيلات الديبوماسية أنجزت العام الماضي، أما الشواغر المتبقية فهي قليلة جداً ولا تتعدى الخمس مراكز غير الأساسية.
هكذا، يفترض أن توضع طبخة التعيينات على نار هادئة لملء شغور 42 موقعاً من الفئة الأولى، الى جانب نحو 230 موقعاً شاغراً لعضوية مجالس الادارة في المؤسسات العامة.
ويتبيّن، وفق إحصاء أعدّته "الدولية للمعلومات"، أنّ الشواغر موزّعة طائفياً على النحو الآتي:
الشواغر لدى الموارنة:
رئيس مجلس شورى الدولة، رئيس مجلس الادارة المدير العام لمؤسسة المحفوظات الوطنية، رئيس اللجنة الادارية للمشروع الاخضر، الأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة، نائب رئيس مجلس الانماء والاعمار، المدير العام للحبوب والشمندر السكري، رئيس المجلس الدستوري (انتهت الولاية ويستمر في منصبه)، المدير العام للمؤسسة الوطنية للاستخدام، رئيس مجلس ادارة المعهد الوطني للادارة، مدير عام مؤسسة كهرباء لبنان (انتهت ولاية كمال حايك ويستمر في منصبه)، ومدير عام رئيس فرع الشؤون الوزارية في رئاسة مجلس الوزراء.
الشواغر لدى الروم الأرثوذكس:
رئيس المركز التربوي للبحوث والانماء، الأمين العام لمجلس الانماء والاعمار، مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان، رئيس الصندوق المركزي للمهجرين.
الشواغر لدى الروم الكاثوليك:
المدير العام لتلفزيون لبنان، المدير العام للطرق والمباني في وزارة الأشغال، المدير العام رئيس الفرع الفني في رئاسة الجمهورية (هناك نزاع مع الشيعة حوله كون آخر شاغليه كان من الطائفة الشيعية).
الشواغر لدى الأرمن:
النائب الرابع لحاكم مصرف لبنان، رئيس الهيئة الناظمة للاتصالات (كان للأقليات واليوم يطالب به الموارنة والشيعة).
الشواغر لدى السنة:
مدّعي عام التمييز، رئيس مجلس الإنماء والإعمار، المدير العام للادارات والمجالس المحلية في وزارة الداخلية والبلديات، المدير العام للتنظيم المدني، المدير العام لوزارة العدل، المدير العام للسياحة (ستحال ندى السردوك قريباً الى التقاعد)، المدير العام للتعليم العالي (في حال الادعاء على احمد الجمال)، رئيس ايدال، رئيس اللجنة الادارية المؤقتة لمرفأ بيروت (في حال الاتفاق على تشكيل لجنة جديدة)، رئيس المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، مدير عام رئيس فرع الشؤون الفنية في رئاسة مجلس الوزراء، النائب الثالث لحاكم مصرف لبنان، المدير العام للطيران المدني، المدير العام رئيس فرع الشؤون القانونية في رئاسة الجمهورية، والمفتش العام الهندسي.
الشواغر لدى الشيعة:
النائب الأول لحاكم مصرف لبنان، المدير العام للمغتربين، المدير العام للتعليم المهني والتقني، نائب رئيس مجلس الانماء والاعمار، مدير عام رئيس فرع الشؤون القانونية في رئاسة مجلس الوزراء، المدير العام للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه، رئيس شركة انترا للاستثمار، رئيس بنك التمويل، الأمين العام لمجلس النواب (يستمر عدنان ضاهر في منصبه بعد إحالته الى التقاعد منذ 2005)، مدير في ادارة الريجي وليس المدير العام.
الشواغر لدى الدروز:
مدير عام المهجرين (يشغله بالوكالة احمد محمود منذ العام 2002)، النائب الثاني لحاكم مصرف لبنان، مدير عام شؤون الجلسات واللجان في مجلس النواب.