سايد شهوان

قطار الحل (1)

6 دقائق للقراءة

شهدت سوريا في بداية الخمسينيات مرحلة متقلّبة جدًا، عنوانها انقلاباتٌ متتالية هزّت الاستقرار. وعلى الرغم من هذا الاضطراب السياسي، اتُّخذ قرارٌ اقتصادي استراتيجي هدفه تأمين بوابةٍ لسوريا على البحر.


فبعد إنهاء الاتحاد الجمركي بين سوريا ولبنان عام 1950، تبيّن لصنّاع القرار في دمشق أنّ نحو 70٪ من تجارة سوريا كانت تمرّ عبر مرفأ بيروت. وبناءً على ذلك، اتُّخذ قرار ببناء وتوسعة مرفأ اللاذقية ليصبح المنفذ التجاري الأساسي لسوريا، وبالتحديد البديل الاستراتيجي لمرفأ بيروت.


وقد أُطلق هذا المشروع الحيوي بتمويل من المملكة العربية السعودية التي منحت سوريا قرضًا بقيمة ستة ملايين دولار أميركي، لتبدأ بعدها مراحل التنفيذ والتجهيز خلال الخمسينيات عبر شركات هندسية من تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا.


أما اليوم، وبعد المتغيرات الجذرية الجيوسياسية في سوريا ولبنان، نستطيع القول إنّ قطار الحل قد انطلق في البلدين. فبعد تغيير النظام في سوريا، والانفتاح الدولي الواسع عليه، وما رافقه من ترتيبات سياسية وأمنية، وبعد التغيّر العميق الذي يشهده لبنان، والذي من المنطقي استكماله ليعود مجددًا إلى الأجندة الدولية، يبدو أن المرحلة المقبلة تتجه نحو حلٍّ سياسي تُستكمَل ملامحه بمقاربة اقتصادية–مالية متكاملة، مخصّصة لسوريا ولبنان، تُعنى بإعادة الإعمار، وتحفيز النمو الاقتصادي، وربط هذه المنطقة بالعالم من جديد.


وبخصوص هذه النقطة الأخيرة، أي ربط المنطقة بالعالم، لا بدّ من التوضيح أنّ لبنان وسوريا يتوسطان شرق البحر المتوسط، ويقعان على تقاطع طرق إقليمي أساسي: شمالًا عبر تركيا باتجاه أوروبا، وشرقًا عبر الأردن والعراق نحو الخليج العربي وأقصى الشرق. وفي حال تحقق السلام، في المدى القريب أو البعيد، ستتحول هذه المنطقة إلى المعبر والممرّ البري الأسهل والأسرع، عبر الطرق وسكك الحديد، بين مصر (وأفريقيا عمومًا) وأوروبا.


فلبنان وسوريا، إذًا، أمام فرصة جدّية للتكامل الاقتصادي الحقيقي والإيجابي بين البلدين، ضمن احترام شخصية كلّ منهما واستقلاله وتميّزه، بدل نموذج "الاقتصاد البديل والإلغائي" الذي طبع مرحلة ما بعد الاستقلال، كما ظهر جليًّا في قرار بناء وتوسعة مرفأ اللاذقية ليكون بديلًا عن مرفأ بيروت .


ويشكّل قطاع النقل في لبنان وسوريا أحد أبرز وجوه هذه الفرصة. ولكي نفهم أبعاد هذا الموضوع، يجب أن نشرح التوزّع الجغرافي للقطاعات الاقتصادية في البلدين، بالإضافة إلى المرافق الأساسية في قطاع النقل.


في لبنان، تتركز التجارة في بيروت الكبرى وطرابلس، وبمستوى أقل في المدن الرئيسية الأخرى، بينما يتمركز النشاط الزراعي في سهل البقاع، وبدرجة أقل في سهل عكار والجنوب. أمّا الصناعة فهي متناثرة يمينًا ويسارًا، ومن دون وجود مدينة صناعية مركزية واحدة على الأقل تجمع النشاط الإنتاجي وتوفّر له البنية التحتية الملائمة، وهو نقص بنيوي مزمن في الاقتصاد اللبناني. أمّا القطاع الخدمي والسياحي، فيتوزع على كامل الأراضي اللبنانية.


أمّا في سوريا، فتتركّز التجارة بشكلٍ رئيسي في دمشق وحلب، فيما تتوزع الزراعة بين منطقة الجزيرة في الشرق، ووسط البلاد مثل سهل الغاب وريف حماة، وبدرجة أقل في حوران ودرعا. أمّا الصناعة فترتكز على المدن الصناعية الكبرى: عدرا في دمشق، والحسياء في حمص، والشيخ نجار في حلب، إضافة إلى مناطق صناعية أصغر في اللاذقية وغيرها. وبخصوص القطاع الخدمي والسياحي السوري، الذي ما زال ضعيفًا وغير مُنمّى بالشكل الكافي، فهو قابل لأن يتوزع بدوره على كامل الأراضي السورية.


على مستوى قطاع النقل، يمتلك لبنان مطار بيروت الدولي، مع إمكانية إعادة تشغيل مطار القليعات في الشمال، إضافة إلى مرفأين رئيسيين هما بيروت وطرابلس، ومرافئ ثانوية يمكن أن تلعب أدوارًا مكمّلة مثل صيدا وصور للبواخر التجارية الصغيرة، وجونية كمرفأ سياحي. في المقابل، تعاني شبكة الطرق اللبنانية من ضعف مزمن وعدم قابلية للتوسّع بسبب ضيق المساحات وكثافة الحركة المرورية، فيما تبقى سكك الحديد خارج الخدمة بالكامل.


أمّا في سوريا، فيتوزّع النقل بين مطاري دمشق وحلب للطيران المدني، ومرفأي اللاذقية وطرطوس، إضافة إلى شبكة طرق تُعدّ مقبولة نسبيًا مقارنة بلبنان، وسكك حديد متوقفة عن العمل منذ الحرب الأخيرة.


وعند قراءة هذا التوزّع الاقتصادي مقرونًا بواقع البنية التحتية وآخر المستجدّات في قطاع النقل في البلدين، يمكن التوسع بما يلي:


يشكّل قطاع النقل الشريان الأساسي والبيئة الحاضنة لأي خطة إنمائية اقتصادية، ويؤكّد ذلك قرار الدولة السورية، منذ أقل من شهر، توقيع اتفاق مع تحالف شركات أميركية–قطرية–تركية لتوسعة مطار دمشق الدولي بقيمة تُقدَّر بنحو 4 مليارات دولار وفق نظام BOT (البناء–التشغيل–النقل)، وهو ما يُعدّ أكبر مشروع استثماري في تاريخ سوريا.


كما أنّ قطاع النقل بين لبنان وسوريا يشكّل القاعدة الأساسية للتكامل الاقتصادي الإيجابي بين البلدين. وليس من قبيل الصدفة أن تتولى شركة CMA CGM الفرنسية العالمية (من أصول سورية لبنانية) إدارة واستثمار ثلاثة مرافئ أساسية على الواجهة البحرية اللبنانية–السورية، هي بيروت وطرابلس واللاذقية، من أصل أربعة مرافئ، ما يعكس نظرة استراتيجية تكاملية لأدوار هذه المرافئ من حيث الموقع والمواصفات الفنية وعمق الأحواض. أما المرفأ الرابع، طرطوس، فمن المهم أيضًا التنويه أنه لُزّم ليكون تحت إدارة واستثمار شركة موانئ دبي العالمية DP World، لما لذلك من دلالات استراتيجية.


كما تبرز أهمية أن يغطي قطاع النقل كامل الجغرافيا ومناطق “عمليات” حركة النقل والقطاعات الاقتصادية، وهو ما يعطي قرار الحكومة اللبنانية (بالمبدأ) إعادة إحياء وتشغيل مطار القليعات في شمال لبنان دلالة خاصة، لما له من أثر إيجابي مباشر على المناطق الممتدة من شمال بيروت حتى الحدود السورية، وكذلك على الساحل السوري.


وفي المقابل، فإن ربط القطاعات الاقتصادية بتوزّعها الجغرافي يبقى مسألة حاسمة، خصوصًا في حالتي سوريا ولبنان، حيث إن شبكة النقل البري عبر الطرق بطيئة، مكلفة، ضعيفة القدرة الاستيعابية، وضعيفة القدرة التنافسية، فضلًا عن كونها مستهلكة للبنية التحتية. فلا يوجد اقتصاد سليم في أي دولة يعتمد فقط على الربط الطرقي بين مدنه وقطاعاته الاقتصادية ونوافذه على الخارج.


فواقع تكامل القطاعات الاقتصادية وقطاع النقل في البلدين على المستوى الداخلي أو الخارجي، يدفعنا للاستخلاص أنّ لبنان وسوريا يشبهان الأجسام المخلّعة، بلا مفاصل ولا أذرع. فالنقل عنصر أساسي، لكن يشوبه خلل بنيوي كبير، أبرز وجوهه غياب إنماء وتشغيل سكك الحديد.


فعليًا، قطار الحل ينقصه القطار.