في هذه الحلقة الثالثة من "نداء السنين" يروي الوزير السابق جوزاف الهاشم كيف تمّ التعرف إلى جثة الرئيس بشير الجميل في مستشفى أوتيل ديو وكيف كانت ردّة فعل الشيخ بيار وكيف تمّ انتخاب الشيخ أمين رئيسًا. ويكشف بعض أسرار تلك المرحلة خصوصًا ما حصل بينه وبين الرئيس رفيق الحريري في مؤتمر لوزان.
- عند اغتيال الشيخ بشير في بيت كتائب الأشرفية، قرب إذاعة صوت لبنان، كنت من الذين نزلوا إلى مستشفى أوتيل ديو وتعرّفوا إلى جثته. ماذا حصل تلك الليلة؟
الإنفجار كان مُعدًّا بإتقان حيث أن قوّته كانت موجّهة نحو الأسفل حيث كان يجلس الشيخ بشير. لم نتأذَ في الإذاعة. طلع الصريخ. طلّيت عالبلكون رأيت إيلي حبيقة يصرخ لا تخافوا خلّصناه، راح. بدأ نوع من الفوضى وما حدا عارف شو صار. مين مات ومين ما مات وشو صار ببشير؟ ومع بدء رفع الأنقاض نقلوا مصابين إلى مستشفى أوتيل ديو وكلّما وصلت جثة يفحصونها للتأكّد من هوية صاحبها. نزلنا على أوتيل ديو لم نجد أثرًا لبشير. رجعنا. بقي جوزاف أبو خليل وكريم بقرادوني وأنا.
- بقيتم في أوتيل ديو؟
رجعنا إلى بيت الكتائب. طلبنا استكمال البحث. انتشلوا ثلاث جثث. رجعنا نزلنا إلى أوتيل ديو. كان الدكتور إيلي كرامة تحت. المحبس كان في يده. كان عاد من لقاء في دير الصليب حيث حمّلوه ورقة مطالب كانت لا تزال في جيبه. شلنا الورقة والمحبس عرفنا أنه الشيخ بشير.
- من أبلغ الشيخ بيار؟
الشيخ بيار انتقل من بيت الكتائب إلى المجلس الحربي في الكرنتينا. نزلنا من بعد ما عرفنا. مين بدّو يقلّو؟ قلت: أنا بقلّو. نزلنا كلنا لتحت. قال عرفت. ما حدا يقلّي. بقي رابط الجأش.
- كان عنده حدس؟
لم يظهر بشير، بعد ساعتين ثلاثة ما في بشير. شو بدنا نقلّو؟ إجت طيارة هليكوبتر وأخدتو؟ قال: ما حدا يخبّرني. عرفت. ضلّ جامد. أكثر من هيك. وقت طلعنا على بكفيا عم يتلقى التعازي كان يسلّم على الناس ويسألهم عن أحوالهم. كيفك؟ كيف ابنك؟ صار منيح؟ أي متى فرط؟ من بعد ما رجعنا من الدفن. عالطريق فرط. كل العزم الذي شدّ بعواطفه ومشاعره انتهى. كان أظهر وكأنو ما في شي. كان ماشي لا دمعة ولا كلمة حتى دفناه ورجعنا. ارتخى ونزل الدمع.
- بغياب بشير الصاعق بهذه الطريقة كيف اتُخِذ قرار ترشيح الشيخ أمين لرئاسة الجمهورية؟
أولًا الرئيس شمعون أعلن أنه يريد أن يترشح. كان هناك كثير من الودّ بيني وبينه. قلت له من الناحية التقليدية مش حلوة أمين يترشح وتترشح أنت ضدّه في هذه الحالة المأسوية. لو مش مرشح أمين ترشح. قال لي : أكتب بيانًا. كتبت بيانًا يعلن فيه تراجعه. رافقت الشيخ أمين في ترشيحه. كل النواب الذين كنت أستضيفهم في الإذاعة زرتهم مع الشيخ أمين. لا أنكر أن مسؤولا إسرائيليًا أتى إلى بكفيا ولم أكن هناك.
- حصل تدخل إسرائيلي لترشيحه وأتى أرييل شارون وزير الدفاع؟
شارون لم يكن متحمّسًا. كان لديه إحساس أن أمين ليس في الاتجاه نفسه الذي كان عليه بشير.
- كان الإسرائيليون مع شمعون؟
مظبوط
- وإصرار حزب "الكتائب" على ترشيح أمين جعلهم يوافقون؟
عندما تراجع الرئيس شمعون لم يعد لديهم خيار آخر. لم يعد يوجد مرشح آخر.
- يقال إن الرئيس أمين تعهّد باستكمال العلاقة التي كانت بين بشير والإسرائيليين؟
شو يعني العلاقة؟ يعمل اتفاق صلح مع إسرائيل؟ غير صحيح. كل ما تعهد به هو الحفاظ على لبنان ضدّ أي احتلال آخر سوري أو فلسطيني. هم يعرفون أن الشيخ بيار والشيخ أمين لا يوافقون على هذا الأمر.
- هل تعهد الشيخ أمين لقيادة "القوات" بالمحافظة على "القوات" كما كانت؟
أكيد. بس "القوات اللبنانية" مين؟ كل القوات الكتائبية صارت بـ "القوات" وورثها سمير جعجع.
- مشروع بشير الجميل بدأ يتحقق من خلال القوى العسكرية وتحوّل إلى قوّة سياسية مع ترشحه لرئاسة الجمهورية ومع انتخابه. كان هناك مسار آخر يمشي فيه بعيدًا من خيارات المكتب السياسي؟
القرارات الأساسية السياسية كانت تؤخذ في المكتب السياسي. القرارات التي لها علاقة بـ "القوات" وبالشأن العسكري كان بشير يأخذها ولكن بقي المكتب السياسي صاحب القرار. في قصة سليمان فرنجية وطوني فرنجية مش صحيح أن المكتب السياسي كان خيال صحرا. سلّم المكتب السياسي بأن تكون لبشير سلطة على بعض المؤسسات لأنه كان يتولّى مسؤولية الدفاع عن الحزب وعن البلد.
- مع انتخاب الشيخ أمين شعرت أنك وصلت معه إلى العهد الجديد؟
لأنه عند التنافر بين الشيخ بشير والشيخ أمين صرت أنا والشيخ أمين في اتجاه واحد. كان المتن وإذاعة صوت لبنان محيّدين عن سيطرة بشير بقرار من بيار الجميل. صرت أنا والشيخ أمين حلفًا واحدًا. وعندما صار في القصر صرت مستشارًا له وكنت أزوره كل يوم صباحًا ونتشاور بما في ذلك تعيين ميشال عون قائدًا للجيش.
- قبل ميشال عون أنت اقترحت عليه تكليف اللواء أحمد الحاج تشكيل أول حكومة في عهده؟
أحمد الحاج كان قائد قوات الردع العربية وترك وصار مدير عام قوى الأمن الداخلي. والوضع اللبناني كان عسكري مش سياسي. قلت له ما رأيك أن تعيِّن أحمد الحاج رئيسًا للحكومة. وهو عسكري ولبناني. ممكن يتكلّف. قال لي: شوفو. اتصلت به. قال إنه في مستشفى أوتيل ديو يجري فحوصات وسيذهب إلى المكتب. قلت له خلّيك بأوتيل ديو. رحت لعنده إلى أوتيل ديو وبعدها انتقلنا إلى المكتب. قلت له إن الرئيس الجميل يستحسن أن تكون رئيسًا للحكومة في هذا الظرف. قال: أشكر ثقته. وكالة الأنباء المركزية عرفت بالزيارة ونشرت الخبر. طلعت لعند الشيخ أمين وقلت له إنه موافق. كان يوم سبت وحضر المرسوم على أساس أنه سيذيعه يوم الإثنين. قرأ خبر المركزية الرئيس صائب سلام بعد الظهر. خوِت. اتصل بالشيخ أمين وضلّ طالع على بكفيا. قال له شو عم تعمل؟ قال له الشيخ أمين: جوزاف الهاشم طرح عليّ الموضوع. اتصل بي من عند الشيخ أمين وقال يا أخ جوزاف بدّك توسّع نطاق نادي رؤساء الحكومات. كان النادي مقتصرًا على زعامات من بيروت وطرابلس ولا يريدون توسيعه إلى إقليم الخروب. قام القيامة واضطرّ الشيخ أمين لأن يكلّف الرئيس شفيق الوزان.
- لماذا الوزان؟
لأن الرئيس صائب سلام رفض الحاج سأله الشيخ أمين من يقترح قال له الوزان.
- كيف كانت بداية عهد الرئيس الجميل؟ بدأ قويًا وراهن على الولايات المتحدة الأميركية لإخراج الجيشين الإسرائيلي والسوري؟
جاب مستشارين. وديع حداد وإيلي سالم الذي عينه وزيرًاا للخارجية... طبعًا اتكل على الشق الأميركي لأن الوضع كان صعبًا جدًّا. فتحنا بابين: باب على الضاحية وباب على السنة. زار دار الفتوى والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وكانت كلمات شكر من الشيخ عبد الأمير قبلان والمفتي حسن خالد. الأميركان كانوا يساعدون وانطلق الرئيس بأول العهد.
- عندما زار واشنطن وهدّد بقصف سوريا هل كانت غلطة وحماسة زائدة؟
الأميركيون يساعدون في مجالات معينة ولكنهم يزينون هذه المساعدة بميزان مصالحهم. أحيانًا يخطئون ويعملون ضدّ مصالحهم. كانت هناك مساعدة ولكن مع التوازن الإسرائيلي للعهد. كان الرئيس الجميل منفتحًا على ثلاثة اتجاهات: مسيحي وسني وشيعي على رغم أن الاتجاه المسيحي كان الأقل عطفًا عليه. الباب الذي انفتح أكثر كان مع السوريين.
- فتح بعد مؤتمر لوزان وبعد حرب الجبل وبعد 6 شباط 1984 التي كانت مؤشرًا لتحديد سلطة الرئيس والدولة بعد تقسيم الجيش.
أسوأ مرحلة مرت على لبنان كانت حرب الجبل. جبل بكامله، جبل لبنان الجنوبي انتقل أرضًا وشعبًا. أكبر مجزرة حصلت ولا أريد أن أتحدّث عنها كثيرًا. كنت رئيس إقليم الشوف الكتائبي.
- عملية 6 شباط كانت مؤشّرًا لإسقاط اتفاق 17 أيار؟ هل كان الشيخ أمين متمسّكًا بهذا الاتفاق أم أنه كان يعتبر أنه لن يُنفذ؟
كيف يمكنه أن يُخرِج الإسرائيليين؟ أخذ تعهّدًا من وزير خارجية أميركا الذي وقع معه. عاتبه وقال له أنتم وقعتم معنا على انسحاب الجيش الإسرائيلي. عندما تنصّلوا منه تنصّل ورفضه.
- بعد 6 شباط 1984 ذهبتم إلى مؤتمر لوزان وكنت في عداد الوفد الذي رافق الرئيس الجميل؟ هناك تعرّفت إلى الرئيس رفيق الحريري؟
كنت في مؤتمر لوزان مع الشيخ أمين الجميل رئيس الجمهورية ومع الشيخ بيار الجميل رئيس الكتائب. الرئيس الجميل قدّم طرحًا كبيرًا عن موضوع تطوّر الوضع في لبنان سياسيًا. الرئيس شمعون قدّم مشروعًا مشتركًا مع "الكتائب". نبيه بري قدّم مشروعًا لإلغاء الطائفية مع وليد جنبلاط. تلقيت اتصالًا من الشيخ رفيق الحريري. لم أكن أعرفه. كان في الفندق الذي كنا فيه. كان يعرف أنه يمكن أن يصل إلى الشيخ بيار وإلى الشيخ أمين من خلالي. سألني: أنت بتسهر؟ قلت له: بسهر. ماذ تريد؟ قال: انتظرني. عندما أعود إلى الأوتيل بحكيك. كانت الساعة الواحدة ليلًا. عنده جناح في الفندق. طلبني. طلعت لعنده. حطّ عشا. حامل معه مشروع إلى لوزان لتعديل الدستور يكاد يكون إلى حدّ ما المشروع الذي أُقِرَّ في الطائف من دون بعض التفاصيل. قال لي: أتمنى عليك أن تقرأه. إذا وافق عليه الشيخ بيار يوافق الشيخ أمين وإذا وافق الشيخ بيار والشيخ أمين يوافق الرئيس شمعون وهذه هي الوسيلة الوحيدة الإنقاذية من الأزمة اللبنانية المستعصية.
- كنتما لوحدكما؟
لوحدنا. كان من 6 صفحات. سألته إذا كان يمكن أن أقرأه لأن هناك جلسة في اليوم التالي. قرأت فيه تخلّي رئيس الجمهورية عن صلاحياته وإحالتها إلى مجلس الوزراء مجتمعًا. وقفت. كان الرئيس سليمان فرنجية في المؤتمر. قلت له أتمنى عليك أن تعرضه على الرئيس سليمان فرنجية وكان يجلس في صف الفريق الآخر. خذ هذا المشروع واعرضه عليه وإذا وافق أنا أتعهد جبلك موافقة بيار الجميل وأمين الجميل وكميل شمعون. في اليوم التالي ذهب لعند الرئيس فرنجية وكان عنده رامز الخازن. عندما قرأ الرئيس فرنجية هذا البند طواه ورده إليه وقال له ألله معك. لم يوافق.
يتبع الأربعاء 17 كانون الأول 2025
هكذا صار عون قائدًا للجيش وعهده كان أسوأ عهد
قصة مصالحة الرؤساء الجميل وشمعون وفرنجية وكرامي