جويل غسطين

مسرحيّة لمايا سعيد مع وسام صبّاغ وأندريه ناكوزي

"ويلة عيد" كوميديا في أجواء عاطفيّة

5 دقائق للقراءة

في موسم عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة، يشتدّ الحنين إلى الدفء والضحكة الصادقة، وإلى القصص التي تلامس القلب، فتعود الكاتبة والمخرجة مايا سعيد لتقدّم لجمهور المسرح عملًا جديدًا بعنوان "ويلة عيد". كوميديا رومانسية ترتكز على أداء مسرحي قويّ يقوده الثنائي الموهوب في التمثيل وسام صبّاغ في شخصية "الدكتور عماد وردة" وأندريه ناكوزي في دور "كارلا نصر".

تدور أحداث مسرحية "ويلة عيد" حول "كارلا" التي تبذل كلّ ما في وسعها لقضاء ليلة الميلاد إلى جانب "الدكتور وردة" أثناء تأديته واجبه الإنساني، رغم قرار رسمي يمنعها من الاقتراب منه أو التواصل معه.

العرض المسرحي دعوة فنية جريئة تتجاوز حدود الضحكة العابرة والكوميديا المسلّية، لتُشكّل قصيدة مدح مؤثرة تُعظم دور الطواقم الطبية الذين يخوضون معارك يومية على خطوط التماس الفاصلة بين الحياة والموت، وتضيء على دورهم الجوهري في حماية المجتمع، وعلى ما يواجهونه من ضغوط نفسية وإنسانية، رغم الجراح التي يخبّئونها خلف ابتسامتهم اليومية.

إلى ذلك، تحث مسرحية "ويلة عيد" الجمهور، من خلال شخصية "كارلا" التي تبدو مزعجة ومستفزة في كثير من الأحيان، على فهم أعمق وتحليل لسلوك البشر وتصرفاتهم في خضم الأزمات والصعوبات التي تمتحن الإنسانية.


اختيار بطلَي العمل

تؤكّد مايا سعيد في حديثها لـ "نداء الوطن" أن اختيار الممثلَين أندريه ناكوزي ووسام صبّاغ لم يكن مصادفة، بل نتيجة "الكيمياء المسرحية" بينهما وقدرتهما على تجسيد الشخصيَّتَين بشكل واقعي وإنساني.

وتوضح الكاتبة والمخرجة، أن صبّاغ رغم كونه اسمًا بارزًا في الكوميديا، إلا أنه يمتلك رزانة في حضوره تُشبه الطبائع الهادئة لدى الأطباء، وهو ما شجّعها على منحه دور طبيب الطوارئ. أما ناكوزي، فتميّزها يكمن في قدرتها على التنقّل بين الانفعالات بحرفية وسلاسة، ما جعلها الأنسب لشخصية "كارلا" المعقدة والمتقلّبة بمشاعرها ومزاجها.


تحية للأب الراحل

لهذه المسرحية موقع مختلف لدى سعيد، إذ أرادتها كاتبتها تحيّة لروح والدها الطبيب الذي رحل عن عالمنا منذ مدة، وتقول إن هذا الارتباط الوجداني العميق انعكس في تفاصيل العمل، فقد كانت سعيد تحمل معها المعطف الأبيض الخاص بوالدها، كوسيلة للشعور بحضوره الداعم والمُلهم، هو الذي كان بالنسبة لها نموذجًا للتفاني والتضحية.

طبيب "يُضحك" الناس

الممثل وسام صبّاغ يُطلّ في "ويلة عيد" بشخصية "الطبيب عماد خليل وردة"، طبيب الطوارئ الذي يجد نفسه في "ليلة عيد" غير اعتيادية حين تقتحم "كارلا" المستشفى، مُطلِقةً سلسلة من الأحداث الغريبة التي تقلب ليلته رأسًا على عقب.

ورغم الطابع الكوميدي للعمل، يكشف صبّاغ في حديثه مع "نداء الوطن"، عن نقاط تشابه حقيقية بينه وبين شخصية الطبيب التي يؤديها، أبرزها الرغبة في مساعدة الناس. فبينما يمدّ الأطباء يد العون، جسديًا ونفسيًّا، يرى صبّاغ أنه بدوره يقدّم للجمهور علاجًا من نوع آخر، عبر الضحك وبث الطاقة الإيجابية في نفسه.

نسأل وسام صبّاغ عن تعاونه مع أندريه ناكوزي، فيصفه بالاستثنائي، ويؤكّد أن الكيمياء بينهما على الخشبة كانت واضحة منذ اللحظة الأولى. يرى صبّاغ في ناكوزي ممثلة مبدعة وناجحة، تضفي على الدور والعمل برمّته حيوية خاصة تجعل المُشاهد أكثر قربًا من القصة.


"كارلا" التي لا تشبه أحدًا

تقدّم الممثلة أندريه ناكوزي في مسرحية "ويلة عيد" شخصية "كارلا نصر"، السيّدة التي تبدو وكأنها تبحث عن المشكلات أينما حلّت، خصوصًا بعد صدور قرار رسمي يمنعها من الاقتراب من "الطبيب عماد وردة". رغم ذلك، لا تتوانى في "ليلة الميلاد"، عن افتعال حادث سير أمام قسم الطوارئ فقط لتراه، مدفوعة بهَوس غامض ورغبة جامحة في قضاء العيد إلى جانبه. ومع تقدّم الأحداث، يفتح النص باب الأسئلة حول أسباب هذا التعلّق الاستثنائي، ليكتشف الجمهور تدريجيًا الخلفيات العاطفية والنفسية المختبئة خلف تصرفات "كارلا".

تشير ناكوزي في حديثها مع "نداء الوطن" إلى أن مشاركتها في هذا العمل المسرحي أتت لثقتها بالكاتبة والمخرجة مايا سعيد، بعد تعاون سابق جمعهما في مسلسل "درجة درجة"، إضافة إلى إعجابها بالنصّ الذي يمزج بين البساطة والعمق. وترى في الوقوف إلى جانب وسام صبّاغ قيمة مضافة لمسيرتها، لما يملكه من حضور وقدرة عالية على الإيصال.

أما على صعيد التحضير، فتؤكد ناكوزي أن شخصية "كارلا" من أصعب الشخصيات التي عملت عليها، كونها لا تشبه أي شخص صادفته في حياتها، ما تطلّب بحثًا داخليًا معمّقًا وابتكارًا في بناء تفاصيل الدور وحركة الشخصية وانفعالاتها.

وفي نهاية المطاف، تتمنى أندريه ناكوزي أن يخرج الجمهور من المسرح حاملًا رسالة واحدة: أنّ لكل إنسان قصة خفيّة لا نراها، وما يطفو على السطح ليس سوى جزء صغير من الحقيقة.


في المحصّلة، تبدو مسرحية "ويلة عيد" أكثر من مجرّد عرض يُقدَّم في موسم العيد والفرح، فهي مساحة فنيّة تنبض بمشاعر الإنسان، وتُعيد للخشبة دورها كمرآة تُظهر ما نخفيه وما نغفل عنه. فمن خلال مزيج مدروس بين الكوميديا والعاطفة، تنجح مايا سعيد بتذكيرنا بأنّ وراء كل سلوك حكاية، ووراء كل وجه جرح لا يراه إلا القليل. ولعل القيمة الأكبر التي تحملها "ويلة عيد" تتمثل في أنها تُخرج الطواقم الطبية من الصورة النمطية الجامدة، وتعيد تصويرهم كبشر يركضون بين أروقة المستشفيات حاملين قلوبًا منهكة، ومع ذلك يستمرون في العطاء. إنها دعوة مفتوحة لتقدير من يقفون يوميًّا على حدود الألم، ودعوة موازية لفهم الآخر، مهما بدت تصرفاته مزعجة أو غريبة.

"ويلة عيد" ليست قصة عن "كارلا نصر" أو "الطبيب عماد وردة" فحسب، إنها قصّة كلّ شخص منا، بهشاشتنا، وتعلّقنا، ومخاوفنا، وطاقتنا على الحب رغم الخيبات. وهي تذكير بأن العيد لا يصنعه المكان أو الظروف، بل الأشخاص الذين نتمسك بهم، والرسائل التي نتبادلها، والقلوب التي نسمح لها بأن تبوح بما في داخلها.


*ويلة عيد" تُعرض في "District 7"، شارع يوسف هاني - الصَّيفي - بيروت، خلال شهر كانون الأول الجاري الساعة 8:30 مساء.


ملصق المسرحية