ريتا عازار

حين تتحوّل الطرق إلى مسرح عبثي... حكاية "لبنان ما قبل الميلاد"

7 دقائق للقراءة

إذا كان العالم يتحضر للميلاد بتزيين الشوارع وتوزيع الهدايا وتدوين المعايدات على البطاقات، فاللبناني يستعدّ له بتمارين التنفس العميق، وتعبئة صبرٍ يُباع في السوق السوداء، وتحميل "playlist" طويلة من الأغنيات تكفي لرحلة سفر من بيروت إلى طوكيو. أمّا نحن، فقد قرّرنا أن نذهب أبعد، أن نستخرج من قلب الزحمة قصصًا، ومن الملل فلسفة، ومن الضجيج كوميديا سوداء يليق بها لقب "فن السير اللبناني".

في بلدٍ تصبح فيه الطريق اختبارًا للذاكرة لا للمسافات، حيث يحسب السائقون المسار بعدد شارات السّير الضوئيّة المعطّلة وعدد "الرون بوانات" التي أُغلقت فجأة بلا تفسير، وحيث تُقاس سرعة الوصول لا بالوقت بل بمدى نشاط شرطيّ السير الذي يحتار إن كان سيقرّر في تلك اللحظة ما إذا كان سيُدير المشهد أم سيكتفي بالمشاهدة، في هذا البلد الذي يُدعى لبنان، يُقبل عيد الميلاد كلّ عام كضيف كلّ شيء فيه جميل و "سبحان مَن جمّلك" وبتحضيرات العيد كمَلِك. فالأخيرة تجلب معها زحمة سير أسطورية تليق بملاحم الإغريق. هنا، لا حاجة إلى جبابرة أو آلهة كي تُصنع الدراما، الطريق وحدها كافية، والعيد يضيف إليها رشة فوضى، وملعقة من أبواق السيارات، ورشة إضافية من اليأس الممزوج بالأمل على نارٍ هادئة.

في ما يلي وثائق حيّة من كوكبٍ آخر يُسمّى: "لبنان ما قبل الميلاد". ليس المقصود هنا التاريخ الذي سبق ولادة الطفل يسوع، بل تلك الأيام التي تسبق العيد حين يتحوّل كلّ مواطن إلى عالِم نفس، وموسيقيّ، ومحلّل سياسي، و… ضحية.


ناديا فيلسوفة العشرين

ناديا، طالبة جامعية، تحمل اسم جدّتها لأبيها، تعيش قناعةً غريبة، تؤكّد أن الطريق ليست نقمة بل فرصة ذهبيّة لتطوير الذات. ربما لأنها ما زالت في بداية العمر، أو لأنها لم تختبر بعد جحيم "الدورة – أنطلياس" وكل الطرق الأخرى، في الأيام التي تسبق العيد.

تجلس ناديا في الـ "Uber" كما يجلس حكيمٌ صيني على قمّة جبل. تستمع للبودكاست، تكتب لائحة هدايا، وتضع خططًا لإنقاذ العالم. وعندما تتوقف السيارة لساعات، لا تتذمّر بل تتأمّل. لو كان أفلاطون حيًّا لعرض عليها منصب "وزيرة الهدوء الداخلي". ولو كان السائق يعرف قيمتها الفلسفية، لفرض عليها اشتراكًا شهريًا. لكن الأهم أنه لو استمرّت الزحمة أكثر، لربما أنهت رسالة دكتوراه من دون أن تغادر المقعد الخلفي.


مراسلنا من "جبهة الأوتوستراد"

جورج، في الخامسة والأربعين، يعمل في شركة اتصالات، ويبدو أنه "على الخط" مع الحياة أيضًا. بالنسبة إليه، الزحمة ليست كارثة، بل نشرة أخبار حيّة. الرجل يواكب الأحداث من سيارته، يستذكر كيف انهارت الليرة، وكيف ارتفع الدولار بجنون. يدوخ قليلًا ، ثمّ ينظر إلى زينة العيد المعلّقة فوق رأسه فيشعر بشيء من الطمأنينة، وكأن تلك الأضواء تخبره بأن ينام قرير العين، فالأسوأ قد لا يأتي أبدًا.

يُجري جورج مكالمات، يناقش السياسة، ويحلّل الوضع الاقتصادي، وكلّ ذلك قبل أن ينتقل الضوء من الأحمر إلى الأخضر. وإذا توقفَ السَّير نهائيًا، يفتح النافذة ليدخل الهواء ومعه النَفَس الأخير لصبره. أمّا حين يمرّ قرب شجرة العيد الكبيرة، فيتذكّر أن هناك في هذا البلد، شيئًا آخر غير التقنين والسجالات... هناك التباهي بين المدن، مَن زيّن الشجرة الأجمل!


خبيرة إدارة الأزمات العائلية

جويل، أمٌّ لطفلَين، تدخل الزحمة وكأنها تدخل معركة. حقيبة سيارتها أشبه بمستودع عسكري: ألعاب صغيرة، حلوى، موسيقى أطفال، وربّما لو بحثنا جيّدًا لوجدنا قارورة غاز من يدري!؟

لا تنتظر من ولدَيها أن يتحلّيا بالصبر. تعلم جيّدًا أن الطفل اللبناني لا يكتسب هذه "الفضيلة" إلّا عند بلوغه سن الثلاثين، لذلك تبتكر لهما الألعاب، تغني، وتهدّد أحيانًا، وتساوم كثيرًا.

وإذا شاء القَدَر أن تسير وحدها، تعتبر الأمر إجازة موقتة من الحياة. تفتح كتابًا صوتيًا، وتغرق في عالم آخر بينما العالم حولها يغرق في الضجيج.


أحمد سابق العيد بخطوة

أحمد الرجل الذي يعرف المدينة شارعًا شارعًا، وحفرةً حفرةً. العيد بالنسبة إليه "موسم رزق"، والزحمة جزء من الطقس السنوي. يسمع موسيقى "الراب اللبناني"، يضحك مع الزبائن ويتبادل معهم أسرارًا صغيرة لا تُقال خارج السيارة. أحمد ليس مجرّد سائق، إنه "أرشيف العاصمة المتنقل". يعرف من يتهرّب من دفع بدل الإيجار، ومن يخبّئ الهدايا من زوجته، ومن اشترى الشجرة بالتقسيط. أغرب ما يقوله هو إن "العجقة بتحبّني، بتحسّسني إني مش لحالي". واضح أن الزحمة بالنسبة إليه ليست مشكلة، بل صديقة قديمة ترفض قطع علاقتها به.


سهى تُدرّس الصبر من النافذة

سهى، معلّمة في الخمسينات من عمرها، قرّرت أن الطريق هو امتداد طبيعي لصفها الدراسيّ. تجلس خلف المقود كأنها خلف مكتب. تتعامل مع السيارات مِن حولها كما تتعامل مع الطلاب: فهذه تحتاج توجيهًا، وتلك بحاجة إلى إنذار، والثالثة تستحق إنذارًا نهائيًا مع سحب نقطة سلوك.

تستمع سهى إلى الموسيقى الكلاسيكية، وتعتبر الزحمة درسًا في الهدوء الانفعالي. لكن الحقيقة أنها لو خاطبت سائقًا متهوّرًا، فعلى الأرجح ستستخدم عبارتها المفضلة: "يا ابني… يا ابني انتبه شوي!". ومع ذلك، عندما تمرّ قرب شجرة الميلاد، تبتسم. تقول إن الأضواء تذكّرها بأن لبنان، رغم كلّ شيء، لا يزال يعرف كيف يتجمّل.


ناطحات أفكار في سيارة المهندس

رمزيًا، يمكن القول إن رامي يبني في زحمة السير ما لا يبنيه في المكتب. الرجل يعتبر سيارته مكتبًا متنقلًا، ووقت العجقة فرصة ذهبية لمراجعة الخطط الهندسية وحساب التكاليف، وحتى التفكير بميزانية الهدايا. لا يغضب، لا ينفعل، لا يضغط على الزمور إلّا في حالات استثنائية كظهور سائق يقرّر فجأة أن المسرب العكسيّ هو حق دستوري.

بالنسبة لرامي، الزحمة فرصة للتخطيط. ولو لم تكن موجودة، لكان وقع في ديون العيد. هذا ما يسمّى بتحويل الكارثة إلى فرصة. لكن إذا صودف ولم يكن وحده في السيارة، فإن كلّ هذا الهدوء قد يهجره ويتحوّل فجأة إلى "عيدي أمين"، فتنقص مثلًا كتف من رفيقه أو رفيقته. ادعوا له أو لها بالنجاة!


عالم الزحمة العجائبي

لو جمعنا كلّ تلك الشهادات، لوجدنا أننا أمام ظاهرة كونية يمكن تدريسها في الجامعات تحت عنوان: كيف يحوّل اللبناني زحمة السير قبل الأعياد إلى مساحة وجودية؟

ناديا ترى فيها فرصة للتأمّل، جورج نشرة أخبار، جويل تحدّيًا تربويًا، أحمد مغامرة، سهى درسًا تربويًا، ورامي ورشة ذهنية مفتوحة. هؤلاء الأشخاص، في دولة أخرى، كانوا سيستخدمون المترو أو الباص أو الدرّاجة. لكن في لبنان، يفرض الواقع معادلة أخرى، إذ إن كلّ مواطن هو فيلسوف بالقوة وسائق قسرًا.

والعيد هنا ليس مجرّد مناسبة دينيّة، بل هو اختبار سنوي أعظم من امتحانات الشهادة الرسميّة. اختبارٌ في الصبر، والمرونة، والقدرة على تحمّل رؤية "المول" من بعيد طوال ثلاث ساعات قبل الوصول إليه.

تتحوّل طرقاتنا في كانون الأول إلى مسرح عبثي: شخص يزيّن سياراته بأضواء "LED"، آخر يعلّق قبعة بابا نويل على المرآة، وثالث يفتح نافذته ليصرخ بعبارة لا تُفهم إلّا وفق القاموس اللبناني العريق. وقد تحاول "مدام دولة" أن تنظم السير، فتبقى الفوضى أسرع منها، كأنها كائن حيّ ذكيّ يعرف كيف يفلت من الشَرَك.

اللبناني قد يفقد كلّ شيء إلّا شيئًا واحدًا: قدرته على تحويل أكثر اللحظات إزعاجًا إلى مادة للضحك والفلسفة. لهذا، حين تتكدّس السيارات في ليلة ميلادية باردة، ويضيع الوقت بين بوقٍ وصراخٍ ورجل يبيعك قبعة حمراء من بين السيارات، ستجد اللبنانيّ يبتسم رغمًا عنه، لأنه يعرف أن الزحمة، مثل لبنان، قد تكون خانقة، لكنها أيضًا مليئة بحكايات تستحق أن تُروى.