جورج الأسد

لعلّ إيران اليوم تستلهم من إيران الأمس!

5 دقائق للقراءة

لاستقراء تطوّر الأحداث المحتمل في لبنان تشتدّ الأنظار إلى لقاء الرئيس الأميري دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن في ٢٩ من الشهر الجاري. ويضع المحلّلون لنتيجته المرتقبة احتمالين لا ثالث لهما: إما ضوء أخضر لنتنياهو للقيام بتصعيد عسكري كبير ومدمّر، أو ضوء أصفر يفضي الى السماح بتطوّر الخطوات التفاوضية التي بدأت حديثاً إلى ما يرضي الاستراتيجية الأمريكية الموضوعة للبنان والمنطقة.

كما تسري تكهُنات بأن الأميركيين يحبّذون الحل "الدبلوماسي"، أي الحربي المخفّف، مع تشديدهم على أن نهاية العام الحالي/بداية العام المقبل هي الحد الفاصل لتسوية الأوضاع دون أي تمديد أو تسامح اضافيين.

بالتزامن مع ذلك، تأتي من القادة الإيرانيين إشارات متناقضة عن قصد. فتارةً يصرّحون بأن "حزب الله" هو سيّد نفسه، وتارةً أخرى "اننا سنواصل وبقوة دعم حزب الله الذي يقف في الخطوط الأمامية للمقاومة". على كل حال، في هذه العلاقة معروفٌ للقاصي والداني من يقول "الأمر لي!".

من جهة إسرائيل، فإن وسائل اعلامها تتداول بأن استعداداتها لا تخصُ لبنان وحده بل تشمل ايران أيضاً.

في خضم هذه المشهدية ذات الصور المتفرّقة، يُستَشَفّ أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران التي تجري بعيداً عن الأضواء قد بلغت مرحلة متقدمة وأن اتجاهاتها هي التي ستقرّر مآل الأمور في المرحلة المقبلة، وقريباً جداً. كما أن المنطق يقود إلى الاستنتاج بأن المهلة المذكورة بالنسبة للبنان تخصّ إيران في المقام الأول والأخير.

طبعاً، حول طاولة المفاوضات ليست إيران نداً للولايات المتحدة، فلا هي الاتحاد السوفياتي في زمن الحرب الباردة، ولا هي الصين في مكانتها الحالية على المسرح الدولي. الا أن الولايات المتحدة تتأنّى في موضوع ايران، فهي تدخّلت في شهر حزيران الفائت في التقاتل الذي حصل بين إسرائيل وايران لكي توقفه عند حدٍّ يرضي صورة الطرفين بشكل نسبي لكل منهما، وذلك للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية الصرف. فالولايات المتحدة لم تكن في صدد احداث تغيير جذري مفاجئ في ايران، كاسقاط نظام الملالي مثلاً، لما يمكن أن ينتج عن ذلك من فوضى كبيرة ومتعدّدة الأوجه هي في غنى عن التلهّي بها لسنوات طوال في ذلك الجزء من العالم، ما سيؤخّرها عن أهدافها الأبعد في التصدي لقوة الصين المتعاظمة و تطويقها.

من تصرّفات النظام الايراني يظهر اعتقاده السائد أن بإمكانه ابتزاز الولايات المتحدة في هذا الأمر، وبالتالي الحصول على ما يبتغيه من النفوذ الاقليمي الذي يرغب بالاحتفاظ به بعد سلسلة الانكسارات التي أصابت منظومته في غزة واليمن وسوريا ولبنان منذ عملية 7 تشرين الأول 2023 وصولاً إلى حرب الاسناد الفاشلة والتي أتت بالدمار المهول على غزة ومناطق محور الممانعة في لبنان المأهولة من إخوان لنا في الوطن يبتغون كسائر المواطنين التمتّع بالعيش الكريم والأمان والتطلّع الى مستقبل أفضل.

إن في استخلاص الدروس حكمة. فالادارة الأمريكية الحالية تنتهج في السياسة عقلية التفاوض لعقد الصفقات كما في عالم الأعمال، ولكنها لا ترضخ للابتزاز حتى من المقرّبين اليها. لم نرَ مثلاً أن نتنياهو قد تجرّأ على التصرّف تجاه الرئيس ترامب بأي مقدار من الابتزاز أو الصلافة أو قلة الاحترام مثلما فعل مع الرؤساء كلينتون وأوباما وبايدن.

ومثلما يتقن الأميركيون ممارسة الضغط البارد بالدبلوماسية والمفاوضات فإنهم يتقنون تطبيق الضغط الساخن تحت النار بالتوازي. على سبيل المثال، عجّل الرئيس ترومان انهاء الحرب العالمية الثانية من جهة اليابان باستسلامها عقب توجيهه اليها الضربتين النوويتين التاريخيتين في هيروشيما وناغازاكي وذلك ضمن حسابات تقصير أمد الحرب وتوفير الخسارات المرتقبة في جنود أمريكا والحلفاء لاحراز النصر. كما أن أمريكا أوقفت حدود بلدان نفوذ الاتحاد السوفياتي في أوروبا عن طريق تهديد حليفها في دحر النازية ستالين بالقوة فأرغمته على إنهاء دعمه للشيوعيين في اليونان الذين كانوا قد أطلقوا بمباركته حرباً أهلية هناك لسنتين بعد الحرب العالمية الثانية، ما ادّى الى تخلّيه عنهم وبالتالي إلى ثبتيت أمريكا لموقع اليونان ضمن معسكر العالم الحر.

الواضح والثابت لدى الولايات المتحدة في وقتنا الحاضر أن حدود نفوذ ايران لا تمتد إلى لبنان بعد الآن. هي توقفت في العراق، حتّى انها تخضع لاحتواء معيّن هناك. والعبرة أن تحذو ايران الحالية خطى إمامها الراحل الخميني عندما صرّح بكل عقلانية أنه سيتجرّع السمّ ويقبل بوقف الحرب مع العراق، فتتوقّف هي عن سياسة حافة الهاوية و المقامرة بما سيأتي على لبنان لا محال بدمارٍ إضافي هباءً، ناهيك عن أن هذا، ولا بدّ، سيرتدّ عليها بالوبال أيضاً.

إن طريق السلام الذي أسرّ به البابا لاوون الرابع عشر أثناء زيارته الأخيرة الى لبنان، وكرّره على مسمع من الجميع في محطات عدُة خلالها، وعلى طائرة العودة إلى الفاتيكان حتُى، يبقى الأسلم والصفقة المُربِحة للجميع.


 صاحب رأي سيادي مستقل