يتفهّم المرء أن يسعى بعض الخطاب الذي يعتبر نفسه "معاصرًا"، باسم "الانصهار الوطني" أو تحت شعارات التحرّر والليبرالية، إلى إعادة النظر في مفهوم الهوية والوعي التاريخي. غير أن الإشكالية تبدأ حين يتحوّل هذا النقد إلى تسفيه للهوية نفسها، أو إلى حصرها في إطار فولكلوري جامد لا مكان له إلا في المتاحف، وكأنها عبء من الماضي لا عنصرًا حيًا في الحاضر.
غالبًا ما يستند هذا التوجّه إلى اعتبار الهوية اللبنانية مجرّد "خيال" أو "سردية زائفة"، مع ربطها بتجارب عنصرية أوروبية من نمط الـ eugenics، صحيح أن هذا النقد يرفع شعار مواجهة أي ادّعاء بـ "النقاء العرقي"، إلا أنه يقع في خلط منهجي بين السياقات، ويُسقِط نماذج فكرية لا تنطبق على الواقع اللبناني.
فالمشكلة ليست في نقد الهوية بحدّ ذاته، بل في اختزالها وتشويه طبيعتها المركّبة. فالهوية اللبنانية لم تُطرح يومًا كمشروع عرقي أو بيولوجي، بل كتراكم ثقافي ولغوي وروحي ناتج عن تاريخ طويل من التفاعل والتعدّد. الخلط بين الهوية الثقافية والهوية العرقية يُنتج قراءة مضلِّلة، تفترض أن أي حديث عن جذور فينيقية أو آرامية أو عربية هو ادّعاء نقاء دموي، بينما هو في الواقع توصيف لمسارات ثقافية متعاقبة.
وهنا تكتسب مقاربة Michel Foucault أهميتها، إذ يؤكد أن الهوية ليست حقيقة طبيعية ثابتة، بل خطاب يتشكّل ضمن علاقات المعرفة والسلطة. من هذا المنطلق، فإن إلصاق تهمة eugenics بأي حديث عن الجذور يعكس سوء فهم لطبيعة الهوية اللبنانية، ولطبيعة الدولة نفسها التي لا تمتلك أصلًا أدوات سلطوية أو سكانية تسمح بمشاريع ضبط عنصري كما عرفتها أوروبا.
كذلك، يذهب بعض النقد إلى إنكار أي جذور تاريخية للهوية اللبنانية، واعتبار كل السرديات "خيالًا". غير أن الوقائع الأثرية والتاريخية تشير بوضوح إلى طبقات حضارية متراكمة: فينيقية، آرامية، سريانية، عربية – إسلامية، وغيرها. لا يعني ذلك استنساخ الماضي، بل فهمه كإطار ضروري لبناء المعنى. وهنا تبرز رؤية Charles Taylor الذي يرى الهوية كسردية متواصلة تُعاد صياغتها باستمرار، تربط الماضي بالحاضر بدل القطيعة معه.
كما أن الربط بين الهوية اللبنانية وeugenics يتجاهل الفارق الجوهري بين السياقين. فـ eugenics مشروع سياسي عنصري نشأ في دول قومية مركزية وقمعية، بينما لبنان كيان تعددي، مفكك سلطويًا، قائم على التنوّع لا على التفوّق. فالهوية اللبنانية لم تُبنَ على الإقصاء، بل على البحث عن الاعتراف والمعنى داخل مجتمع متعدّد.
ولا يمكن إغفال دور الذاكرة الجماعية في هذا السياق. فالهوية ليست شعارًا ولا أيديولوجيا، بل ذاكرة مشتركة تشكّل الإطار الذي تعرّف الجماعة من خلاله نفسها. وهذا ما شدّد عليه Maurice Halbwachs حين ربط الهوية بالذاكرة الجماعية بوصفها صلة حيّة بين الماضي والحاضر، لا تمجيدًا له ولا قطيعة معه.
خلاصة القول إن اختزال الهوية اللبنانية في خانة الخيال أو ربطها بمشاريع عنصرية أوروبية هو تبسيط مخلّ، يخلط بين البيولوجيا والثقافة، ويتجاهل التاريخ والذاكرة. الهوية اللبنانية ليست عرقية ولا وهمية؛ إنها مسار ثقافي وسردي حيّ، يتطوّر من دون أن يُمحى. الحفاظ عليها لا يعني تجميدها في المتاحف، بل تطويرها بوصفها مشروعًا مفتوحًا يربط الماضي بالحاضر ويمنح المستقبل معنى.