في ظلّ التصعيد المستمر على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، يعود السؤال المركزي إلى الواجهة بقوة: ما هو السيناريو الإسرائيلي المحتمل تجاه لبنان؟ هل نحن أمام حرب شاملة أم إدارة تصعيد مضبوط؟ هل تفكّر إسرائيل باجتياح بري حتى نهر الليطاني، أم تفضّل التدمير من دون اجتياح؟ وأخيرًا، هل تملك المفاوضات فرصة حقيقية للنجاح، أم أنها مجرّد شراء للوقت؟
هذا المقال يحاول مقاربة هذه الأسئلة بواقعية سياسية وعسكرية، بعيدًا عن التهويل أو التطمين المجاني.
أولًا: الحرب الشاملة… خيار قائم لكن غير مُفضّل
من الخطأ الافتراض أن إسرائيل لا تريد الحرب. لكنها في الوقت نفسه لا تريدها بالشكل الذي قد تخرج فيه عن السيطرة. الحرب الشاملة مع لبنان تعني، من المنظور الإسرائيلي، جبهة مفتوحة لأسابيع أو أشهر، شللًا اقتصاديًا، تهديدًا للعمق الإسرائيلي، وتدخّلًا دوليًا قد لا يكون لمصلحتها بالكامل.
القيادة الإسرائيلية، وخصوصًا العسكرية منها، تدرك أن أي حرب واسعة مع لبنان لن تكون “حربًا نظيفة”. والسؤال المطروح هل صحيح ان حزب الله لا يزال يمتلك قدرات صاروخية ونارية كفيلة بإحداث أضرار جدية في الجبهة الداخلية الإسرائيلية؟ وهو ما لم يعد المجتمع الإسرائيلي مستعدًا لتحمّله طويلًا، خاصة بعد صدمة السابع من تشرين الأول. ام هي حجة اسرائيلية لتبرير فعلتها بالاجتياح؟
لذلك، نعم، الحرب الشاملة خيار مطروح على الطاولة، لكنها ليست الخيار الأول، بل خيار اضطراري في حال فشلت كل الأدوات الأخرى، أو إذا فُرضت على إسرائيل بفعل تصعيد خارج الحسابات.
ثانيًا: الاجتياح البري حتى الليطاني… كلفة أعلى من الفائدة
الحديث عن اجتياح إسرائيلي بري حتى نهر الليطاني يتكرر في الإعلام والسياسة، لكنه عسكريًا أكثر تعقيدًا مما يبدو. تجربة 2006 لا تزال ماثلة في ذهن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: دخول بري محدود، خسائر بشرية، ارتباك ميداني، وعدم تحقيق أهداف استراتيجية واضحة.
الاجتياح الواسع يتطلّب:
• بقاءً طويلًا للقوات داخل الأراضي اللبنانية
• مواجهة حرب عصابات معقّدة
• احتكاكًا مباشرًا مع بيئة حاضنة
• ضغطًا دوليًا متصاعدًا لوقف العمليات
وهو ما يجعل هذا السيناريو غير مرغوب فيه حاليًا، إلا إذا قرّرت إسرائيل تغيير قواعد اللعبة بالكامل، أو إذا شعرت بأن ميزان الردع انهار نهائيًا.
الأرجح أن إسرائيل لا تريد “احتلالًا”، بل تريد “إبعاد تهديد”، والفرق بين الاثنين كبير.
ثالثًا: التدمير من دون اجتياح… السيناريو الأكثر ترجيحًا
السيناريو الأكثر واقعية في المدى المنظور هو تصعيد ناري كثيف من دون اجتياح بري شامل. أي:
• ضربات جوية مركّزة
• استهداف بنى تحتية عسكرية ومدنية بحجة “الضغط”
• توسيع بنك الأهداف
• استخدام القوة لإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة
هذا النموذج يسمح لإسرائيل بتحقيق عدة أهداف في آن:
1. إظهار القوة والردع
2. تجنّب الخسائر البشرية الكبيرة
3. إبقاء المعركة تحت سقف الحرب الشاملة
4. تحسين موقعها التفاوضي
لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة على لبنان، لأنه يعني دمارًا واسعًا من دون أفق سياسي واضح، خاصة في ظل دولة لبنانية شبه غائبة وغير قادرة على فرض أي مسار تفاوضي مستقل.
رابعًا: المفاوضات… هل هي جدّية أم تكتيكية؟
المفاوضات الجارية، سواء عبر وسطاء دوليين أو قنوات غير مباشرة، أو مباشرة، لا يمكن فصلها عن الميدان. إسرائيل تفاوض وهي تضرب، وحزب الله يفاوض وهو يلوّح بالتصعيد. هذه ليست مفاوضات سلام، بل إدارة صراع.
هل يمكن أن تنجح؟
الجواب: نعم، ولكن بشروط.
النجاح هنا لا يعني حلًا جذريًا، بل:
• تثبيت خطوط اشتباك جديدة
• إبعاد قوات حزب الله عن الحدود
• عودة المستوطنين الإسرائيليين إلى الشمال
• تجنّب حرب شاملة
لكن المشكلة الأساسية أن إسرائيل تريد ضمانات أمنية، فيما لبنان الرسمي عاجز عن تقديم أي ضمانة، وحزب الله يربط أي تهدئة بمسار الإقليم.
بمعنى آخر، المفاوضات ليست لبنانية – إسرائيلية، بل إقليمية – دولية، ولبنان مجرّد ساحة.
خامسًا: لبنان بين المطرقة والسندان
لبنان اليوم ليس صاحب قرار الحرب ولا السلام. هو عالق بين:
• حسابات إسرائيل الأمنية
• أجندة حزب الله الإقليمية
• توازنات أميركية – إيرانية
• عجز داخلي سياسي ومؤسساتي
وهذا ما يجعل السيناريو الأخطر ليس الحرب الشاملة، بل “اللاحرب”: استنزاف طويل، ضربات متقطعة، نزوح، خسائر اقتصادية، وانهيار إضافي للدولة.
إسرائيل قد لا تجتاح، لكنها قد تدمّر. وقد لا تعلن حربًا، لكنها قد تفرض واقعًا جديدًا بالنار.
إذًا السيناريو الإسرائيلي الأكثر ترجيحًا تجاه لبنان ليس الاجتياح البري حتى الليطاني، ولا الحرب الشاملة المفتوحة، بل تصعيد مضبوط يعتمد على التدمير الجوي والناري، بهدف إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلة أمنية جديدة.
المفاوضات قد تنجح في منع الأسوأ، لكنها لن تنتج حلًا دائمًا. ولبنان، في ظل غياب الدولة والقرار السيادي، يبقى الحلقة الأضعف، يدفع ثمن صراعات أكبر منه، وعلى أرضه.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: هل ستقع الحرب؟
بل: كم سيدفع لبنان ثمن تجنّبها… أو خوضها؟