فسحة فرح نادرة أرادتها "mtv" لمشاهديها في برنامج "Let’s Dabke - يلا ندبك"، ترفع من إيقاع الحياة وتؤكّد روح الجماعة، رغم الواقع اللبناني المثقل بالهموم اليوميّة والأسئلة التي لا تنتهي حول المآل والمصير. برنامج لا يقدّم نفسه كمسابقة رقص فحسب، ولا كاستعادة عابرة لفن فولكلوري محفوظ في الذاكرة، بل يشكّل احتفالًا حيًّا بالهوية اللبنانية، وتجسيدًا صادقًا لفعل الحياة الذي يصرّ على البقاء نابضًا، رغم كل الظروف.
الدبكة في "Let’s Dabke - يلا ندبك" لا تُقدَّم كتراث جامد أو عادة موروثة، بل تتحوّل إلى لغة مشتركة تعبّر عن الفرح، والانتماء، والاتحاد. يتجاوز البرنامج الحدود التلفزيونيّة التقليديّة، ليصبح مشروعًا ثقافيًا ضخمًا يعيد الاعتبار لهذا الفن الشعبي الذي شكّل على الدوام نبض الجماهير، ويعيده إلى قلب المشهد المعاصر بأبهى صورة. إضاءة مدروسة، صوت نابض، صورة مبهرة، وإيقاعات حيّة تحمل في طيّاتها قصص الأرض والناس. كلّها عناصر التقت لتصنع حالة تلفزيونية مختلفة. وفي واقع يختلط فيه القلق بالأمل، يقف "Let’s Dabke" كمنارة تعيد إشراقة الفرح والتواصل، وتؤكّد أن الدبكة لا تزال من الفنون القليلة القادرة على جمع اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم، وعلى إعادة نبض الحماسة إلى قلوبهم. هو إذًا ليس مجرّد برنامج، بل رسالة حبّ للتراث، وصرخة تحدّ في وجه الظروف، ورغبة صادقة في أن تبقى الروح اللبنانية حيّة، متجدّدة، ومتصالحة مع نفسها.
فكرة انتظرَت توقيتها
منذ سنوات، كانت فكرة البرنامج مطروحة، تكشف المنتِجة المنفذة ناي نفاع، وقد جرى العمل عليها بهدوء مع مدير محطة "mtv" كريستيان الجميّل، قبل أن يجرى تأجيلها لما يقارب عامًا كاملًا. لم يكن التأجيل تراجعًا، بل انتظارًا للتوقيت الصحيح. ومع بدء عودة الحياة تدريجيًا إلى البلد، شعر الفريق بأن اللحظة حانت. القرار كان واضحًا، تضيف نفّاع لـ "نداء الوطن": "لا مكان لبرنامج صغير أو تجربة خجولة. الرهان كان على مشروع كبير، يتطلّب تحضيرًا هائلًا شمل كل التفاصيل: من "الكاستينغ"، إلى الفرق والراقصين، الأزياء، الصورة، والإخراج".
خمسة أشهر من العمل المتواصل سبقت الانطلاقة على الهواء، في واحد من أضخم الإنتاجات التي شهدتها القناة. الهدف لم يكن تقديم منافسة تقليدية، بل إعادة الدبكة كفن حيّ، معاصر، وقادر على مخاطبة الأجيال الجديدة. لذلك جاء "الكاست" متنوّعًا، يضمّ فرقًا من أعمار وخلفيّات مختلفة، ليعكس تطوّر الدبكة عبر الزمن: من الدبكة التقليدية بأنماطها المتعددة كالدلعونة والعرجة والعسكرية، إلى الدبكة الاستعراضية التي أسّس لها الأخوان رحباني وكركلا وفهد العبدالله، وصولًا إلى دبكة الـ "Fusion" التي تفاعل معها الشباب وفتحت نقاشًا مشروعًا حول حدود التطوير والحفاظ على الجذور.
أكثر من منافسة… حالة فرح
إلى التنوّع الفني، أُوليَ اهتمام كبير بالصورة، والأزياء، والإخراج، لتقديم الدبكات ضمن قالب بصري حديث وجذاب. والبرنامج لا يكتفي بإطار المنافسة، بل يتوسّع ليشمل فقرات خاصة يشارك فيها مشاهير يتعلّمون الدبكة، في محاولة واعية لخلق حالة فرح عامة يحتاجها البلد. فالدبكة هنا ليست مجرّد رقصة، بل عنصر جامع في بلد يختلف أبناؤه على كل شيء تقريبًا، لكن تبقى رقصته الوطنيّة من العناصر القليلة التي توحّد الجميع. ما إن تُسمع موسيقاها، حتى يتحرّك الإحساس تلقائيًا.
لم يكن مستوى الإبهار وليد الصدفة، بل نتيجة خيار واضح اتخذته إدارة "mtv"، وتحديدًا رئيس مجلس الإدارة ميشال المر ومدير القناة كريستيان الجميّل، بالإصرار على فكرة البرنامج حتى خروجه بالشكل الذي يليق بالمحطة وتاريخها. إصرار على الفكرة، وعلى تنفيذها بإنتاج ضخم يضع البرنامج مباشرة ضمن "ستاندرد mtv" المعروف، حيث لا مجال لأنصاف الحلول.
منذ الحلقة الأولى، بدا جليًّا أن القناة لا تدخل سباقًا مع أحد، بل تواصل سباقها مع ذاتها: بين "mtv" الأمس و "mtv" الغد. إخراج كميل طانيوس، مع إضاءة جو سعد، وصوت جهاد سماحة، إلى جانب فريق "الغرافيكس" في المحطة، تضافرت كلّها، لتشكّل منظومة إنتاج متكاملة، وعملًا جماعيًا عالي الدقة، حيث لا تفصيل يُترك للصدفة، ولا عنصر خارج مكانه. إنها "مدرسة mtv" بكل ما تحمله الكلمة من معنى: ثقافة عمل قائمة على سقف مهني مرتفع، يعرف فيها كل فرد من فريق العمل أن النزول تحته ليس خيارًا، بل خروج عن الهوية.
تنوّع في الحلقات وبريق النجوم
كل حلقة من البرنامج تحمل نكهتها الخاصة وتميّزها. نشهد حضور وجوه معروفة من عائلة "mtv" تشارك في الحلقات، إلى جانب نجوم يحلّون ضيوفًا للمشاركة في الغناء والرقص، ما يضفي حيوية إضافية على الأجواء. وتتخلّل الحلقات تقارير خاصة توثق تجربة فنانين وممثلين وهم يتعلّمون الدبكة ويخوضون هذا التحدّي للمرة الأولى، كما شاهدنا في الحلقة الثانية مع الممثل بديع أبو شقرا، في مزج لافت بين الترفيه والتجربة الإنسانية.
لجنة تحكيم بقيمة التجربة
اختيار لجنة التحكيم جاء مدروسًا بعناية. عمر كركلا، الإسم المؤسّس للدبكة الاستعراضية في لبنان، مَنَح البرنامج مصداقية وثقلًا فنيًا استثنائيًا. ربيع نحّاس أضاف خبرة ميدانية وحضورًا قريبًا من الناس، فيما شكّل وجود نادرة عسّاف عنصر توازن بلمسة أنثوية ومعرفة أكاديمية، خصوصًا مع إعدادها كتابًا في الولايات المتحدة الأميركيّة، عن الدبكة. الانسجام بين الثلاثة بدا واضحًا منذ الحلقات الأولى، وانعكس حماسة حقيقية على الشاشة.
لماذا طوني بارود وكارلا حدّاد؟
اختيار ثنائيّ تقديم البرنامج لم يكن عشوائيًا. طوني بارود هو أحد أبناء "mtv"، يعرف الشاشة ويحبّ الدبكة بصدق. أمّا كارلا حدّاد، فتمتلك حضورًا قويًا وقدرة عالية على إدارة الهواء المباشر بثقة واحتراف. الكيمياء بينهما لم تُصنع على الهواء، بل بدأت في الكواليس. لا تنافس، ولا محاولات للظهور الفردي، بل تكامُل واضح يخدم البرنامج أولًا.
بعد أكثر من 30 عامًا في المهنة، يؤمن طوني بارود بأن المقدّم التلفزيوني ليس نجم الحدث، بل جزء من منظومة. الكيمياء مع كارلا، كما يقول لـ "نداء الوطن"، مبنيّة على الاحترام والدعم المتبادل، وهذا ما يشعر به المُشاهد من دون تكلّف. طموحه مرتبط دائمًا بالمحتوى الذي يحمل هوية وقيمة، لا بالضجيج العابر. فالثقة، بعد سنوات طويلة، هي رأس المال الحقيقي، وهي ما يجعل الوقت، مهما طال، يعود ليعمل لصالحك.
أما كارلا حداد فتصف من جهتها عودتها إلى "mtv" بالعفوية والطبيعية. لم تضع شروطًا، ولم تتردّد. بالنسبة لها، يكفي أن يأتي العرض من قناة بحجم "mtv"، ولمشروع بهذا الثقل والقيمة. تعتبر حداد أن العلاقة هنا شراكة مبنيّة على الثقة، لا على التفاوض. ومع تفاعل الجمهور بعد الحلقة الأولى من البرنامج، شعرت حداد كما قالت لـ "نداء الوطن" بأن الرسالة وصلت: ربط الجيل الجديد بالدبكة بروح حديثة ومن دون تصنع. وبعد مسيرة تجاوزت 25 عامًا، ترى كارلا حداد نفسها قادرة على التأقلم مع أي مساحة إعلامية، من دون أن تُحبس في قالب واحد. المهم، بالنسبة لها، أن ينجح البرنامج وأن "يكسِّر الدني".
مجازفة محسوبة
الاستثمار في عمل ترفيهي ضخم في هذا التوقيت هو مجازفة محسوبة، لكن الرهان كان على حاجة الناس للفرح. التفاعل، والاهتمام الذي وصل حتى من خارج لبنان، أكّد أن البرنامج لمس حاجة حقيقية. الموسم الأول هو مرحلة تأسيس، ومع الوقت سيكبر المشروع وتنضج التجربة، سواء على مستوى الفرق أو الجمهور. في النهاية، كل شيء يرتبط بالتوقيت: توقيت البرنامج، هوية المحطة، جاهزية الفريق، وحاجة الناس. حين تتلاقى هذه العناصر، يصبح العمل في مكانه الصحيح. بذلك لا يكون "Let’s Dabke - يلا ندبك" مجرّد برنامج تلفزيوني، بل محاولة صادقة لإعادة الفرح إلى الشاشة… على إيقاع الدبكة، وبهوية لبنانية خالصة.