يتصدّر الدوري الإنكليزي الممتاز أرقام المتابعة الموسمية عالميًا، ويتربع على عرش أكثر الدوريات إنفاقًا على التعاقدات، كما يحظى بزخمٍ إعلامي هائل لا يقتصر على بريطانيا فحسب، بل يمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
هذا الدوري يكسر كل التوقعات. فقبل انطلاق كل موسم، تتكاثر التحليلات والتكهنات حول هوية البطل، ليصدم الدوري متابعيه ومحلليه مرارًا وتكرارًا بنتائج لا تشبه الحسابات المسبقة. ولفهم هذه الظاهرة بشكل أعمق، لا بد من الإشارة إلى أن المنافسة في إنكلترا لم تُحصر يومًا بقطبين أو ثلاثة. ففي الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، تعاقب ستة فرق مختلفة على التتويج باللقب، ولكل حقبة قصتها وأسبابها وتفاصيلها التي مهدت الطريق نحو المجد.
في مطلع الألفية الجديدة، حصد مانشستر يونايتد الألقاب ثمرةَ مشروع طويل الأمد، بُني على نجوم الأكاديمية أمثال غاري نيفيل، ديفيد بيكهام، بول سكولز، وراين غيغز. وجاء نجاح أرسنال في موسمي 2001–2002 و2003–2004 ليؤكد أن البطولات ليست وليدة الصدفة، وأن العمل المستمر مع أرسين فينغر آتى ثماره في تلك المرحلة.
ومع دخول تشيلسي دائرة المنافسة أواخر عام 2004 بفضل المالك الجديد والاستثمار الضخم، انكسرت هيمنة يونايتد وأرسنال، وتحولت المنافسة من ثنائية قطبية إلى تعددية أقطاب. لكن الصدمة الكبرى تمثلت في النجاح السريع لجوزيه مورينيو، ليطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كانت المشاريع الكروية تحتاج وقتًا، فكيف نفسر هذا التتويج الفوري؟
قدوم مورينيو إلى تشيلسي، وضخ الأموال لاستقدام أسماء مثل ديدييه دروغبا، فابيو كارفاليو، وبيتر تشيك، صعّب مهمة المنافسين. إلا أن الانسجام الكبير، والصلابة الدفاعية غير المسبوقة، إضافة إلى كاريزما مدربٍ قادم بصفته بطل أوروبا، شكّلت كلها عوامل حاسمة لبناء حقبة تشيلسي واستمرار نجاحه في المواسم اللاحقة.
في موسم 2009–2010، أنهى مانشستر سيتي الدوري في المركز الخامس، ثم دخل دائرة الأربعة الكبار في الموسم التالي، مبتعدًا تسع نقاط فقط عن اللقب. ومع روبيرتو مانشيني، عزز الفريق تشكيلته في موسم 2011–2012 بأسماء مثل سيرخيو أغويرو، سمير نصري، وغايل كليشي، ليُتوّج باللقب بعد بناءٍ تراكمي واضح.
أما موسم 2015–2016، فقد حمل واحدة من أعجب قصص كرة القدم. ففي وقتٍ كانت فيه أسماء مثل تشيلسي ومانشستر سيتي تفرض الهيبة، بدا المشهد مختلفًا. تشيلسي غرق في تمرد غرفة الملابس، سيتي دخل مرحلة تغيير مع مدرب جديد هو بيب غوارديولا، مانشستر يونايتد عاش حالة تخبط، أرسنال ابتعد عن المنافسة في أواخر عهد فينغر، وليفربول كان في طور البناء مع يورغن كلوب. فمن تبقى؟ ليستر سيتي… وتوتنهام.
جولة بعد أخرى، بدأ ليستر يؤمن بالحلم، مستندًا إلى مدرب خبير هو كلاوديو رانييري، وإلى مجموعة لاعبين مميزين أمثال كاسبر شمايكل، نغولو كانتي، رياض محرز، وجيمي فاردي، ليحقق أحد أعظم الألقاب في تاريخ اللعبة. لاحقًا، فرض بيب غوارديولا سيطرة شبه مطلقة، لم يكسرها سوى ليفربول في مناسبتين، في صراعٍ جسّد قمة التنافس الكروي.
وفي كثير من الأحيان، حتى الفريق الخارق يخسر اللقب في إنكلترا، وغالبًا بسبب الإصابات. فكيف نشهد هذا السقوط المتكرر هنا، ولا نراه بالحدة نفسها في دوريات كبرى أخرى؟ هناك عاملان أساسيان يفسران ذلك. الأول هو عدد المباريات الكبير، نتيجة كأس إنكلترا وكأس الرابطة، ما يزيد من ازدحام الجدول، ويفرض مداورة مرهقة قد تُفقد الفرق توازنها، كما يحدث مع تشيلسي اليوم، أو يؤدي إلى استنزاف التشكيلة الأساسية وارتفاع الإصابات كما نراه مع أرسنال.
أما العامل الثاني، فهو حدة المباريات نفسها؛ فـ "الريتم" والسرعة والالتحامات في الدوري الإنكليزي لا تُشبه غيرها. مواجهة ليدز مدعومًا بجمهوره، أو وولفرهامبتون الذي يصارع الهبوط، أو اللعب تحت ضغط سانت جيمس بارك، كلها اختبارات قاسية قد تُسقط أي فريق في سباق اللقب.
لهذا، تبقى المنافسة في الدوري الإنكليزي بلا ضمانات. النجاح لا يكون للأقوى فقط، بل للأذكى، ولمن يصبر على مشروعه، إن كان يسعى إلى مجدٍ طويل الأمد، لا فرحٍ موقت يعقبه سقوطٌ مدوّ… وربما هبوط إلى الدرجة الثانية.