جويل غسطين

"Mono Pause" في عروض جديدة

بيتي توتل تتجدّد على المسرح وإلى التلفزيون قريبًا

6 دقائق للقراءة

تعود المخرجة والكاتبة والممثلة بيتي توتل إلى خشبة المسرح كما يعود الضوء بعد عتمة طويلة، مع مسرحيتها "Mono Pause" في عروض خلال موسم الأعياد الحالي، كمرآة لمعنى الميلاد نفسه: ولادة وتجدّد.

لا تحمل عودة بيتي توتل إلى العروض المسرحيّة بُعدًا فنيًا فقط، بل تختزن رحلة شخصية قاسية عاشتها منذ عام 2024. كان عامًا مثقلًا بالحرب التي منعتها من السفر وأغلقت أمامها خشباتٍ كانت تنتظرها، ثم جاء رحيل والدتها ليترك جرحًا عميقًا في قلبها. وسط هذا كلّه، بدا التوقف وكأنه قدر موقت، لكن العودة جاءت كخيار واعٍ، وإصرار على النهوض، إيمانًا بأن الفن هو فعل مقاومة، لا يموت بل يتجدد كلّما تعرقلت الظروف.


واقع المرأة الصعب

تقدّم مسرحية "Mono Pause" حكاية امرأة تختار الانسحاب موقتًا من صخب الحياة لتستعيد توازنها الداخلي وتتصالح مع ذاتها.

تدور الأحداث في مدينة جبيل تحديدًا، حيث تلجأ بطلة العرض إلى عزلة قصيرة تمنحها مساحة للتفكير في محطات حياتها، متنقلة بين لحظات من الضحك والحنين والتساؤل.

توضح توتل في حديثها مع "نداء الوطن" أن عملها لا ينحصر في الاضاءة على موضوع انقطاع العادة الشهرية لدى النساء بحدّ ذاته، بل يتخذ من هذا الموضوع مدخلًا للحديث عن التحوّلات الكبرى التي قد تواجه أي شخص في حياته، وكيف يمكن لحدث واحد أن يُعيد تشكيل نظرته إلى العالم وإلى نفسه.

أما المرأة اللبنانية على وجه الخصوص، فتراها توتل أنها في مواجهة ضغوط مضاعفة لا تشبه ما تعانيه النساء في أماكن أخرى، نظرًا للظروف الاقتصادية والأمنية والقلق الدائم الذي يخيّم على البلاد. وتنعكس هذه الأعباء في شخصية بطلة المسرحية التي تخوض صراعًا عميقًا بين الحاجة إلى الصمود والرغبة في الهروب من واقعها القاسي.

جدير بالذكر أن مع إعادة عرض المسرحية سنة 2025، أدخلت بيتي توتل تعديلات على النص الأساسي ليتلاءم مع التطورات التي شهدها لبنان في العام 2024، وعلى رأسها الحرب، فبالنسبة لها المسرح مرآة الواقع، ولا بدّ من أن يتطرق إلى الصعوبات التي يعيشها اللبنانيون، نساءً ورجالًا، بشكل مباشر أو غير مباشر.


تعاون مع جاك مخباط

تروي المخرجة والكاتبة والممثلة بيتي توتل تفاصيل تعاونها مع الدكتور جاك مخباط، الذي تواصل معها بعد أن مرّ بفترة عصيبة مليئة بالتحديات، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بهجرة ابنته، وانتهاءً بصدمة انفجار مرفأ بيروت الذي ترك أثرًا عميقًا في حياته. شاركها مخباط مشاعره الصادقة عن شعوره بالوحدة والعزلة، وعن البحث المستمر عمّن يخفف عنه وطأة الانفصال عن العالم.

انطلاقًا من هذه التجربة الإنسانية قرّرت توتل منح صوت مخباط حضورًا على خشبة المسرح، فابتكرَت شخصية رجل يتجوّل بين الأمل واليأس، يبحث عن صديق يشارك معه لحظات العزلة ويخفف عن قلبه وطأة الوحدة. ويأتي هذا التعاون ليبرز الوجه الإنساني للمسرحية، حيث تتحوّل التجربة الشخصية الحقيقيّة إلى عمل فني يلامس الجمهور، ويعيد رسم العلاقة بين الألم والفن، بين العزلة والاتصال، بين الفرد والمجتمع.


الهمّ المجتمعي

انبثقت إذًا شرارة كتابة مسرحية "Mono Pause" من تقاطعٍ حساس بين الجرح الشخصي والوجدان الجماعي. فبعد غياب بيتي توتل عن الساحة الفنية عام 2020، بسبب جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي التهمت جزءًا كبيرًا من مدّخراتها، وصولًا إلى تضرّر منزلها في انفجار مرفأ بيروت، كانت تُواجَه دائمًا بالسؤال نفسه : "أين اختفيتِ؟".

من هذا السؤال ولدت لديها فكرة "الاختفاء" كحالة إنسانية قبل أن تكون مجرّد ظرف. حوّلتها بدءًا من العام 2023 إلى حكاية مسرحية عن امرأة تنسحب قليلًا من العالم لتلملم ذاتها، وعن رجل يسعى إلى حضورٍ يخفف وطأة وحدته.

أما على المستوى المجتمعي، فترى توتل أن موجات الهجرة التي تجتاح اللبنانيين تشبه بدورها شكلًا آخر من أشكال الغياب: عزلةٌ طويلة قسرية، يتأرجح أصحابها بين الرحيل والحنين، بين الغياب والعودة، وبين البحث الدائم عن مكان يشعرون فيه بأنهم ما زالوا موجودين.


من المسرح إلى الشاشة؟

على صعيد آخر، توضح بيتي توتل أنها لا تمانع في انتقال مسرحيتها "Mono Pause" من الخشبة إلى الشاشة، سواء في قالب فيلم سينمائي أو مسلسل درامي. وتشير إلى أن الفكرة واردة بالنسبة لها، لكنها تشترط إتمام العمل بالشراكة مع كاتب ذي خبرة في كتابة الدراما التلفزيونية لضمان الحفاظ على روح النصّ وتطويره بالشكل المناسب لخيارات الشاشة. إنما تؤكد أنها لن تقوم بهذه الخطوة بنفسها، لأن اختصاصها الأساسي يظلّ في التأليف والإخراج المسرحيَّين لا التلفزيوني.


نصيحة للممثلين الشباب

في مجال آخر، تتوجّه بيتي توتل إلى الشبّان والشابات الطامحين لدخول عالم التمثيل، فتقول لهم عبر "نداء الوطن": "لا تمثلوا!". هي لا تنهيهم عن خوض مجال الفن والتمثيل، بل تلفتهم إلى أهمية البقاء على طبيعتهم وعفويتهم، و الانغماس بشكل كامل في الأدوار التي يؤدونها.

تستخدم توتل تعبير الممثل النشيط (Acteur Actif) لتؤكد أن الممثل لا ينبغي أن يكون مجرّد متلقٍ أو منفذ، بل أن يكون شخصًا فاعلًا ومؤثرًا داخل فريق العمل، سواء على خشبة المسرح أو أمام الكاميرا، يساهم في إثراء المشهد وإضفاء الحيوية على الأداء الجماعي.


مبادرات وتحفظ

في سياق مختلف، تعبّر بيتي توتل عن اعتزازها بالمبادرات الشبابية المستقلة في مجالَي المسرح والفن عمومًا، معتبرة أن أيّ مشروع إبداعي، مهما بدا متواضعًا، يحمل قيمة حقيقيّة ويساهم في إبقاء الحركة الثقافية حيّة.

في المقابل، تتحفظ حيال سهولة الوصول إلى الشهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تتيح لغير المتخصصين اعتلاء خشبة المسرح من دون امتلاك الأدوات الفنية اللازمة. وترى أن هذه الظاهرة ليست سوى موجة عابرة، سرعان ما ستتلاشى، كما تلاشت من قبل موجات عدة، من بينها فورات برامج الـ "Reality Tv".


الحضور اللبناني الدولي

لا يفوت الفنانة بيتي توتل إبراز دور لبنان الحاضن للفعاليات الثقافية والفنية البارزة، إلا أن تلاحُق الأزمات ترك أثرًا واضحًا على هذا المشهد وأضعف استمراريته. في المقابل، تشير إلى أن الأعمال اللبنانية، سواء المسرحية أو السينمائية، لا تزال تفرض حضورها في المحافل الدولية وتحصد جوائز مرموقة. لكنها تشدّد على أن هذا النجاح، كي يتحوّل إلى مسار ثابت ومستدام، يحتاج إلى دعم رسمي وجدّي من وزارة الثقافة يواكب طاقات المبدعين ويؤمن للقطاع الفني فرص التطور والنمو.

يبقى أن الممثلة بيتي توتل تشارك في عمل تلفزيوني جديد من المرتقب عرضه قريبًا، إلا أنها تفضل الإبقاء على تفاصيله طيّ الكتمان في هذه المرحلة، حرصًا على سرّية المشروع واحترامًا لمراحل إنجازه.