أعشق عيد الميلاد... أراني متسمّرة في ذلك الشريط "السوبر 8"، يوم كنت ابنة السنتين والأشهر الثلاثة. كنت أصفق كثيرًا في ذلك الفيلم البكرة، مع أولاد العائلة كلّها، أبناء العائلة الكبيرة. كنا كلّنا نغني ونصفق، وأنا كنت أحبّ المرح، وقعنا ونحن نرقص، بعضنا بقي على الأرض، بعضنا بكى، أما أنا فوقفت بسرعة وأكملت التصفيق، خشيت أن أخسر لحظة فرح. وما زلت بعد الكثير الكثير من الأعوام ألتقط لحظات الفرح ولا أتركها تهرب مني. كم أعشق عيد الميلاد، كم أحب حضور ذلك الطفل الصغير وذلك الفرح المرافق لولادته، الطفل يسوع وأمّه مريم الحنونة ويوسف الطيّب جدًّا الأطيب بين الجميع.
كم أحب الميلاد! ما زلت كما كنت في السنتين والأشهر الثلاثة، أفرح بضوء ينطفئ ويُنير، أعود كأنني صغيرة عند شرائي أصغر زينة في العيد، أو حتى عند رؤيتي أيّة زينة، سواء اشتريت أم لم أشترِ. غاب كثيرون من الذين أحبّهم وكنت أعيِّد معهم وأفرح. الحنين كبير في قلبي أكبر من كلّ البالونات التي كنت أفرح بألوانها. لكنني، وَهُم في قلبي، أفرح عنهم وعني كلّما أتى العيد، ولأنني أفرح في الميلاد، سأتسلّى معكم بهذه الأخبار. تعالوا نفرح ونعيّد ونضحك، وسنظل نتذكّر الأحبّة الذين غابوا ولن يغيبوا قبل أن نغيب.
كثيرًا ما يُصوَّر عيد الميلاد كاحتفال مُنظم بدقة. مشهد ميلاد مُرتب بعناية، وترانيم مُنمَّقة، وموائد عائليّة يبدو فيها الجميع مُتفقين بشكلٍ عجيب. لكن، إذا ما تعمقنا في تفاصيله، سنجد جانبًا مُختلفًا تمامًا. عيد ميلاد غير متوقع، وغالبًا مؤثر، وكثيرًا جدًا... مُضحك.
حين يبتسم التاريخ
في شتاء عام 1914، بينما كانت أوروبا غارقة حتى عنقها في الوحل والبرد والخوف والحرب العالمية الأولى، وبينما كان الجنود يعيشون في خنادق ضيّقة بالكاد تتسع لأجسادهم وأحلامهم، جاء عيد الميلاد من دون استئذان. لم يدعُ إليه أحد، ولا أحد اتفق عليه، لكنه حدث. في ليلة باردة، خرج جنود ألمان وبريطانيون من خنادقهم، أعداء حتى الأمس القريب، تبادلوا النظرات أولًا، ثم السجائر، ثم الأغاني التي يعرفونها منذ طفولتهم، ترانيم الميلاد التي تشبه بعضها مهما اختلفت اللغات. بعدها، وكأن الأمر هو الأكثر طبيعية في العالم، لعبوا كرة قدم. كرة قدم في قلب الحرب! صورة تبدو غير قابلة للتصديق، لكنها موثقة في رسائل الجنود وفي الأرشيف العسكري. كأن الحرب أخذت استراحة قصيرة لتتنفس، وكأن البشر تذكّروا فجأة أنهم قبل أن يكونوا جنودًا، كانوا أولادًا يركضون خلف كرة. ضحكوا، عيد ميلاد واحد انتصر فيه الإنسان على الجنون ولو قليلًا.
تلك اللحظة لم تُنهِ الحرب ولم تغيّر التاريخ، لكنها ذكّرت الجميع بأن الإنسان حتى وهو غارق في الكراهية، يتعب أحيانًا من القتل ويشتاق إلى ساعة فرح، ولو مسروقة من الجنون.
لصٌّ... بابا نويل
في 24 كانون الأول عام 2019، دخل رجلٌ إلى مصرف في كولورادو. الخبر كان يمكن أن يكون عاديًا جدًا: عملية سرقة عشية عيد الميلاد. لكن ما حصل بعدها، جعل القصة تجوب العالم وتجعله يصاب بدوار. خرج الرجل من المصرف، لم يهرب، لم يختبئ، بل رمى النقود في الهواء وهو يصرخ: "عيد ميلاد مجيد". وقف المارة مذهولين للحظات، ثم فعلوا شيئًا لم يتوقعه أحد، جمعوا المال وأعادوه إلى المصرف. أما السارق، فجلس بهدوء في مقهى قريب، ينتظر الشرطة كمن أنهى واجبًا اجتماعيًا. القصة مضحكة ومربكة في آن، لا هي بطولة ولا هي جريمة تقليدية، لكنها واحدة من تلك اللحظات التي يقرّر فيها عيد الميلاد أن يخلط الحدود بين الخروج عن المألوف والإنسانية.
جذع يُطعَم ثم يُضرب
في كاتالونيا، لا أحد يستغرب شيئًا في عيد الميلاد. ثمّة جذع خشبي له وجه مبتسم، يطعمه الأطفال لأسابيع كما لو كان كائنًا حيًا، ثم في ليلة العيد يضربونه بالعصي وهم يغنون، منتظرين أن "يُخرج" الهدايا. وفي مشهدية الميلاد أيضًا، يخفون تمثالًا صغيرًا يقضي حاجته خلف شجرة. قد يبدو الأمر صادمًا أو سخيفًا للوهلة الأولى، لكن لا أحد هناك يضيّع وقته في طرح الأسئلة. الأطفال يضحكون، البيوت تمتلئ بالفرح، والعيد يمرّ خفيفًا، بلا تكلّف، كأنّ الرسالة بسيطة: لا تأخذوا القداسة بعبوس، فالفرح أيضًا شكل من أشكال الاحترام.
بلد يتوقف من أجل دونالد داك
في السويد، يوم 24 كانون الأول، الساعة الثالثة بعد الظهر، يتوقّف البلد حرفيًّا. تهدأ الشوارع، تُلغى المواعيد، ويجلس الجميع أمام التلفاز لمشاهدة برنامج قديم جدًا يعود إلى عام 1958: "دونالد داك وأصدقاؤه يتمنون لكم عيد ميلاد سعيدًا". لا تفسير منطقيًا لهذا الطقس، ولا أحد يحاول تغييره. أصبح جزءًا من هوية العيد، وأي محاولة للمساس به تُعتبر شبه استفزاز وطني. وفي عالم لا يتوقف عن الركض، يبدو التمسك بعادة طفولية كهذه نوعًا من الطمأنينة التي لا تحتاج إلى تفسير.
الماعز ينتظر مصيره كل عام
وفي إحدى المدن السويدية، يُبنى كل عام مجسّم ماعز ضخم من القش احتفالًا بعيد الميلاد. وفي كلّ عام تقريبًا يحاول أحدهم حرقه، رغم الكاميرات والحراس وأحيانًا الطائرات المسيّرة. تحوّل الأمر إلى تقليد بحدّ ذاته، لعبة وطنية غير معلنة: هل سيصمد هذا العام أم لا؟ الناس يضحكون، يتابعون الأخبار، كأن العيد يحتاج أحيانًا إلى قصة غريبة صغيرة ليضحك من قلبه.
كاراكاس: قداس على الزلاجات
في كاراكاس الفنزويلية، يُغلق بعض الشوارع قبل عيد الميلاد كي يتمكن الناس من الذهاب إلى قداس الصباح على الزلاجات ذات العجلات. الأطفال أحيانًا يربطون خيطًا بأقدامهم ليلًا، فإن جذبه أحد في الصباح، عرفوا أن العيد حلّ. الأمر يبدو غريبًا، نعم، لكنه يحمل تلك البراءة التي تذكّرنا بأن العيد، في جوهره، لعبة جميلة بين الناس والفرح.
ميلاد أستراليا "يتعرّق"
في أستراليا، لا ثلج ولا برد ولا معاطف. عيد الميلاد هناك شاطئ، شمس حارقة، شواء، و "سانتا كلوز" بسروال قصير. التناقض صارخ، لكنه مقبول تمامًا. صُور الغزلان في الثلج تُضحك أكثر مما تُقنع، لكن الفرح حاضر، يأخذ شكله المناسب للمكان.
لبنان… حين تبتسم القداسة
في لبنان، يبدأ العيد باكرًا، في 4 كانون الأول، يوم عيد القديسة بربارة. يُزرع القمح أو العدس أو الترمس وما سوى ذلك، على قطن رطب أو في تراب نديّ. تُراقب البراعم تكبر... من زمان كان الجيران يقارنون مزروعاتهم بصمت أو بـ "تزريك". طقس بسيط، أخضر، يجمع بين الأرض والرمز وبراءة الطفولة، ويقول للمنتظرين إن العيد قادم مهما كانت الأيام صعبة.
في العديد من القرى، كانت الأبواب تبقى مفتوحة يوم العيد، لا كرمز بل كواقع. يدخل الناس بلا موعد، يأكلون ما لذ وطاب من الفواكه المجففة والجوز واللوز و "القضامة الملوّنة". يشربون القهوة، يضحكون، يربكون أصحاب البيت، ثم يخرجون. فوضى محبّبة، تعب جميل، ودفء لا يمكن تنظيمه!
وعلى الموائد، سلال لا تُحصى ولا تُراقَب. فواكه مجففة، مكسّرات، حلويات... تفرغ السلة ثم تمتلئ من جديد. في بلد صار يعرف معنى النقص، تبدو هذه الوفرة الصغيرة وكأنها نكتة لطيفة من العيد. وهناك أيضًا هدنة غير مكتوبة. الخلافات تُؤجَّل، التوترات تُعلّق احترامًا للميلاد. قد تدوم المعجزة يومًا واحدًا فقط، لكنها تعود كل عام، وتكفي أحيانًا لنستعيد أنفاسنا.
الدفء والمرح
سواء اتخذ شكل جذع عيد الميلاد الذي يُضرب بعصا، أو قداس على زلاجات، أو باب يُترك مفتوحًا على مصراعَيه في قلب قرية لبنانية، فإن عيد الميلاد يكشف عن الشيء نفسه في كل مكان: حاجة جماعية لتفريغ التوتر ولكثير من الحب والطفولة والمرح. ألم يكن الطفل يسوع يلهو بطرحة والدته مريم ويبتسم ليوسف؟
تُذكِّر هذه الحكايات سواء كانت طريفة أو مؤثرة، أن وراء الطقوس، ثمّة بشرًا، قبل كل شيء. وأحيانًا، يكون أجمل تقاليد عيد الميلاد هو ذلك الذي ينحرف قليلًا عن مساره.
عيد الميلاد، أينما كان، ليس ترتيبًا مثاليًا ولا طقسًا معقّمًا. هو لحظة إنسانية، مرحة، عذبة، مليئة بالتناقضات في لقاء العائلات، تتيح للناس أن يضحكوا، أن يتصالحوا، أن يتذكّروا الذين غابوا ويفرحوا عنهم، وأن يتمسّكوا بلحظة دفء صغيرة في عالم قاسٍ… قبل الانطلاق إلى العيد البعيد.

