اشتباكات حلب تكشف هشاشة الاتفاق بين دمشق و"قسد"

7 دقائق للقراءة

تتزامن نهاية العام الحالي مع نهاية المهلة المقرّرة لتنفيذ "اتفاق آذار" الموقع بين دمشق و"قسد"، إنما حال الخلاف القائم حول معنى وكيفية اندماج الأخيرة، دون حصول ذلك، إذ تشترط دمشق وأنقرة تذويب "قسد" في الجيش السوري ودخول قوات دمشق إلى مناطق "الإدارة الذاتية" في شمال وشرق سوريا، وهما أمران ترفضهما "قسد". لذلك، صعّدت تركيا لهجتها ضدّ "قسد" وتكثفت الاشتباكات المتقطعة بين قوات دمشق وفصائل موالية لتركيا و"قسد" أخيرًا، لكن الدعم الأميركي للكرد منع اندلاع عملية عسكرية واسعة أو حرب شاملة حتى الآن.

وسط هذه الأجواء، اندلعت اشتباكات عنيفة بين "قسد" وقوات دمشق أمس وسط تبادل للاتهامات بينهما، لتكشف هشاشة الاتفاق بين الطرفين. وأفادت "قسد" بأنه "أُصيب عضوان من قوى الأمن الداخلي - حلب بجروح إثر هجوم نفذته فصائل مرتبطة بوزارة الدفاع في حكومة دمشق على حاجز في دوار الشيحان في حلب"، محملة "حكومة دمشق المسؤولية الكاملة عن هذه الاعتداءات". لاحقًا، كشفت "قسد" أن "فصائل حكومة دمشق تشن هجومًا عنيفًا بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب"، مشيرة إلى أن الهجوم أسفر عن مقتل امرأة وإصابة 17 مدنيًا، بينهم طفلة.

وذكرت "قسد" أن "الفصائل المحسوبة على دمشق تستخدم الدبابات والمدافع ضد أحياء مدينة حلب"، نافية "الادعاءات الصادرة عن الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لحكومة دمشق حول استهداف أحياء حلب من قبل قواتنا التي سلمت نقاطها لقوى الأمن الداخلي - الأسايش وفق اتفاق الأول من نيسان". وشدّدت على أن "التحقيق الواجب يقع على عاتق الفصائل المنقسمة التابعة لحكومة دمشق التي تفتعل الأزمات منذ أربعة أشهر من خلال حصار حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وتكرار الاستفزازات والاعتداءات على المدنيين تحت أنظار أجهزة الحكومة". واعتبرت أن ما حدث أمس "من قصف للأحياء السكنية هو نتيجة نشاط تلك الفصائل نفسها، خصوصًا في غرب حلب وشمالها، حيث تنطلق الصواريخ بمسارات عسكرية واضحة من نقاط تلك الفصائل في اتجاه أحياء المدينة بهدف زعزعة الأمن وإثارة الفتنة".

في المقابل، أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية لوكالة "سانا" بأن "لا صحة لما تروّجه قنوات "قسد" عن هجوم لقوات الجيش على مواقعها في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب"، متهمة "قسد" بأنها "هاجمت بشكل مفاجئ نقاط انتشار قوى الأمن الداخلي والجيش العربي السوري في محيط حي الأشرفية، ما أدّى إلى وقوع إصابات في صفوف قوى الأمن والجيش". وذكرت أن "قوات الجيش العربي السوري تردّ على مصادر نيران "قسد" التي تستهدف منازل الأهالي وتحركاتهم ونقاط انتشار الجيش والأمن في محيط حيي الأشرفية والشيخ مقصود".

وتحدّثت الداخلية السورية عن أن "قوات "قسد" المتمركزة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية أقدمت على الغدر بقوات الأمن الداخلي المتمركزة في الحواجز المشتركة، عقب انسحابها المفاجئ وإطلاق النار على الحواجز، رغم الاتفاقات المبرمة"، مشيرة إلى أن "إطلاق النار أدّى إلى إصابة عنصر من قوات الأمن الداخلي وعنصر من الجيش، بالإضافة إلى العديد من الإصابات بين عناصر الدفاع المدني والمدنيين".

وأفادت "سانا" بأن "قسد" تقصف بشكل عشوائي بقذائف الهاون وراجمات الصواريخ أحياء عدة في مدينة حلب، منها الجميلية والسريان، مشيرة إلى مقتل مدنيَين وإصابة ثمانية آخرين نتيجة قصف "قسد" لأحياء مدينة حلب. وذكرت أن "قسد" تقصف مستشفى الرازي في مدينة حلب. وتحدّث الدفاع المدني السوري عن إصابة طفلين بجروح من جرّاء استهدافهما من قبل "قسد" بالرصاص على دوار الشيحان في مدينة حلب، لافتًا إلى اندلاع حرائق في حيي الجميلية والشيخ طه في المدينة بسبب القصف والاستهداف بالرصاص من قبل "قسد". وفي وقت لاحق، أفادت تقارير عن التوصل إلى تهدئة بين دمشق و"قسد"، ما انعكس هدوءًا حذرًا على جبهات حلب.

يأتي ذلك بعدما استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع وفدًا تركيًا ضمّ وزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولر، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة إبراهيم قالن في دمشق، حيث جرى خلال اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين ومناقشة آخر التطورات الإقليمية، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة.

لاحقًا، شدّد الشيباني خلال مؤتمر صحافي مع فيدان، على أن "اتفاق آذار" يعبّر عن "الإرادة السورية في تسريع الاندماج وتوحيد الأراضي السورية بشكل حضاري، لكننا لم نلمس إرادة جدية منها (قسد) في تنفيذ هذا الاتفاق"، لافتًا إلى أن منطقة الجزيرة جزء أساسي من سوريا والدولة توليها اهتمامًا بارزًا، وأي تأخير باندماج "قسد" يؤثر على هذه المنطقة سلبًا ويعرقل حركة الإعمار فيها. وكشف أنه "ناقشنا مكافحة الإرهاب ومحاربة تنظيم "داعش" ومنع ظهوره في سوريا من جديد، ووضع تصور مشترك بما يخص شمال شرق سوريا".

من جانبه، أوضح فيدان أنه "أجرينا لقاءات مثمرة وناقشنا مسائل مهمة على أساس تعاوننا الاستراتيجي"، مؤكدًا ضرورة تنفيذ "اتفاق آذار" وأن اندماج "قسد" سيكون في مصلحة الجميع. وحسم أن "استقرار سوريا يعني استقرار تركيا". ورأى أنه لا توجد لدى "قسد" نية في تنفيذ "اتفاق آذار"، وادعى أن "قسد" تدير بعض عملياتها بالتنسيق مع إسرائيل، ما "يشكل عقبة رئيسية أمام المفاوضات الجارية مع دمشق"، جازمًا بأن "تركيا تولي أهمية كبيرة لاستقرار سوريا ومستعدّون لبذل كافة أشكال الدعم من أجل تحقيق ذلك". وذكر أنه "بحثنا محاربة تنظيم "داعش" وما يمكن القيام به معًا للتصدي له"، لافتًا إلى أنه "ناقشنا الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية ونؤكد أنه على إسرائيل التخلّي عن سياساتها التوسعية من أجل تحقيق الاستقرار في سوريا والمنطقة".

على صعيد آخر، نفذت مديرية الأمن الداخلي في مدينة البوكمال في ريف دير الزور عملية مداهمة محكمة لأحد المنازل، أسفرت عن ضبط صواريخ مضادة للطيران من نوع "سام 7"، كانت معدة للتهريب خارج البلاد، فيما أظهر تحليل صادر من الأمم المتحدة أنه قد جرى تفكيك الإنتاج الضخم لمخدر الكبتاغون في سوريا بعد سقوط الأسد.

إلى ذلك، كشف تحقيق أجرته وكالة "رويترز" أن بعض السجون ومراكز الاحتجاز التي كانت تضمّ عشرات الآلاف من المعتقلين خلال حكم الأسد، أصبحت اليوم مكتظة بسوريين تحتجزهم قوات دمشق من دون توجيه تهم رسمية، فضلًا عن انتهاج نفس أساليب التعذيب والابتزاز التي كانت تحصل إبّان حكم الأسد، بينما برّرت وزارة الإعلام السورية نتائج التقرير بأن ضرورة تقديم المتورّطين في الانتهاكات التي حدثت في عهد الأسد إلى العدالة، تفسّر العديد من عمليات الاعتقال وإعادة فتح بعض مراكز الاحتجاز.

ومن بين الروايات التي وثقتها "رويترز" في تحقيقها قضية التاجر المسيحي ميلاد الفرخ، الذي قالت عائلته إنه اعتُقل في 24 آب بتهم إخفاء أسلحة، والعمل كتاجر سلاح، وبيع لحوم منتهية الصلاحية في محل جزارة يملكه، واصفة اعتقاله بأنه محاولة للضغط عليهم لدفع 10 آلاف دولار إتاوة حماية. وبعد أسبوعين، تمكّن أحد نزلاء معتقل كفر سوسة من الاتصال بالعائلة لإبلاغهم بأن الفرخ يحتضر من جرّاء التعذيب. وأفادت العائلة بأن اتصالًا من مشرحة مستشفى جاء في اليوم التالي لإبلاغهم بوفاته. وألقي القبض على أحد الأقارب لمطالبته بتشريح الجثة قبل أن يتدخل مسؤول كبير في الأمن الداخلي ورجال دين، وخلص الأطباء إلى أن الفرخ توفي نتيجة ارتطام رأسه بالأرض إثر سقوطه وسُلّمت الجثة للعائلة.