مقاربة القوات لحقوق المودعين: موقف دستوري في مواجهة الشعبوية المقنّعة

4 دقائق للقراءة

في خضم السجال الدائر حول مشروع قانون يمسّ جوهر حقوق المودعين، تتكثّف محاولات التضليل لتشويه أي موقف اعتراضي جدي، عبر اختزال النقاش بسرديّات شعبوية لا تمتّ إلى الوقائع بصلة. ومن بين هذه الروايات، الادعاء بأن وزراء القوات اللبنانية انسحبوا من جلسة مجلس الوزراء للمزايدة السياسية، فيما الحقيقة الموثّقة تؤكد عكس ذلك تمامًا.

فالوقائع تشير بوضوح إلى أن الوزراء المعنيين بقوا في الجلسة حتى نهايتها، وخاضوا نقاشًا تفصيليًا حول المبادئ والمواد التي من شأنها الإطاحة بحقوق المودعين، لا سيما تلك التي تفتقر إلى تحديد واضح للمسؤوليات أو تفتح الباب أمام تحميل الخسائر للفئات الأضعف. ولم يقتصر هذا النقاش على الاعتراض، بل تَرافق في كل مرحلة مع طرح بدائل عملية وتعديلات ملموسة، رغم ضيق المهلة الزمنية التي أُعطيت لدراسة قانون بهذه الخطورة على مستقبل لبنان المالي والاجتماعي، مع العلم ان اقتراحاتهم الجوهرية جوبهت بالرفض من قبل معدي المسودة.

هذا الأداء لم يكن ردّ فعل ظرفي، بل نابعًا من مقاربة متكاملة وواضحة المعالم. فلو لم تكن هذه الرؤية موجودة سلفًا، لما أمكن خوض النقاش من موقع المبادرة، ولا تحويل الجلسة إلى مساحة مناقشة حقيقية بدل تمرير مقاربة مبسّطة تُقدَّم كحلّ وحيد.

تنطلق هذه المقاربة من مبدأ أساسي: الودائع هي ملكية خاصة مصانة بالدستور اللبناني، ولا يجوز للدولة، تحت أي ذريعة، الاستيلاء عليها أو شطبها. كما تؤكد على ضرورة اعتراف الدولة بمسؤولياتها الكاملة تجاه مصرف لبنان، وتحديد حجم ديونها بشكل تقريبي أولًا، ثم بدقة عبر تدقيق مستقل وشفاف.

وفي هذا السياق، تُشدّد المقاربة على مسؤولية مصرف لبنان والتزاماته تجاه المصارف والمودعين، وعلى أن أموال الاحتياطي الإلزامي ليست أموالًا عامة أو متاحة للتصرّف، بل هي في جوهرها أموال مودعين اقتُطعت كنسبة مئوية من ودائعهم لتأمين هذا الاحتياطي. وفي موازاة ذلك، لا يمكن إعفاء المصارف من مسؤولياتها القانونية تجاه المودعين، ولا من تبعات خياراتها الاستثمارية التي راكمت الخسائر، علما ان الأزمة شاملة، اقتصادية ومالية ونقدية وسياسية (من سياسات الحكومات)، وليست ازمة تعثر مصرف او اكثر.

ولا تغفل هذه الرؤية البعد الاجتماعي والاقتصادي للأزمة، إذ ترفض أي حلّ يتجاهل الفئات الأكثر هشاشة، من كبار السن، إلى الصناديق التعاضدية والنقابات وأصحاب المهن الحرة. فمعالجة الودائع لا يمكن أن تكون محاسبية صمّاء، بل يجب أن تراعي العدالة الاجتماعية وتوزيع الأعباء بشكل منطقي.

في المقابل، ترى القوات ان خطورة المقاربة المطروحة تكمن في تسليمها المسبق بعجز الدولة عن القيام بإصلاحات حقيقية أو زيادة وارداتها، فتذهب مباشرة إلى تحميل العبء للمودعين تحت شعار “أفضل الممكن”. هذا المنطق لا يعيد الثقة بالدولة اللبنانية ولا بالقطاع المصرفي، بل يكرّس الانهيار كسياسة عامة، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة.

فالحلّ، وفق هذه المقاربة البديلة، يجب أن يبدأ من تحمّل الدولة لمسؤولياتها في تحسين التحصيل الجمركي والضريبي، وفرض الرسوم والغرامات على المخالفات، من الأسلاك البحرية غير الشرعية إلى الكسارات، إضافة إلى إدارة أكثر كفاءة للموارد العامة والأصول. ذلك يؤمن السيولة التدريجية اللازمة لردّ الودائع عبر رسملة مصرف لبنان، وتسديد الديون الخارجية، بما فيها اليوروبوند وديون المؤسسات الدولية.

أما الركيزة التي لا يمكن تجاوزها، فهي المحاسبة. فلا معنى لأي خطة إنقاذ من دون نصّ صريح يضمن حق الملاحقة القضائية، وإجراء تدقيق جنائي شامل، وتتبع حركة الأموال والحسابات المشبوهة، خاصة المستفيدة من عقود أُبرمت مع الدولة خلافًا للأصول.

من هنا، يتضح أن هذا الموقف ليس شعبويًا ولا قائمًا على الاستثمار السياسي، بل دستوري وقانوني وعلمي، دفاعًا عن الكيان اللبناني كدولة ذات هوية اقتصادية واجتماعية واضحة، لا كساحة مفتوحة لمحو مدّخرات الناس باسم الواقعية أو البراغماتية.

أما الذين يغطّون محو ثروات اللبنانيين بلغة "الواقعية"، ويتهمون المطالبين بالحقوق بالشعبوية، فيتناسون أن اللبنانيين يدركون تمامًا من نهبهم، ولن يقبلوا بأن يستمر هذا النهج، لا اليوم ولا في مستقبل أولادهم. والبديل، إن كان موجودًا فعلًا، يجب أن يُطرح بوضوح أمام الرأي العام، في نقاش شفاف ومسؤول، لا خلف حملات تشكيك ولا اصطفافات صامتة.