رأس السنة هو الموعد العاطفي الوحيد في حياتنا الذي نذهب إليه بكامل إرادتنا، ونحن نعرف مسبقًا أننا سنخرج منه بخيبة خفيفة ووعود مشروخة، كأسطوانة عتيقة من زمن "الفونوغراف"، وصورة جميلة على "إنستغرام" لا تشبه ما حدث فعلًا. ومع ذلك نستعدّ له وكأنه هذه المرّة مختلف فعلًا، ولم يخنّا في السنوات السابقة، وكأننا لم نقف أمامه أعوامًا طويلة بالحماسة نفسها والخطاب الداخلي عينه، وبالجملة المتفائلة ذاتها: "لا... هيدي السني رح تكون غير!".
ثمّة أمور في الحياة نعرف نهايتها من بدايتها، مثل مسلسل مملّ نواصل مشاهدته، أو شخص نعود إلى أحضانه رغم أننا نعرف كلّ عيوبه عن ظهر قلب. رأس السنة، هذا الحدث الذي ليس حدثًا، وهذا الموعد الذي لا يفعل شيئًا حرفيًّا، ينجح كلّ مرّة في إقناعنا أنه على وشك تغيير حياتنا بالكامل، فقط لأن رقمًا سيُمحى وآخر سيحلّ مكانه. وكأن مشاكلنا مرتبطة بالتقويم، وكأن الاكتئاب ينتظر منتصف الليل ليغادر، وكأن التسويف يحترم العدّ التنازلي.
في أواخر كانون الأول من كل عام، يصيبنا نوع غريب من الحماسة غير المبرّرة، يشبه الإعجاب بشخص لا نعرف عنه شيئًا سوى اسمه وتاريخ ميلاده، ومع ذلك نبدأ فورًا بتخيُّل مستقبل كامل معه. ننظر إلى السنة المقبلة بنظرة حالمة، ونقول بثقة شخص يحمل فنجان قهوة ويتأمّل المطر ويفكّر، بأن هذه السنة ستكون قوية. قوية كيف؟ في ماذا؟ على أيّ أساس؟، لا أحد يعرف، ولا أحد يسأل، لأن الشعور موجود، والشعور في نهاية السنة يُعتبر دليلًا علميًا كافيًا.
السنة بريئة
فجأة، نبدأ بإسقاط كل فشلنا السابق على السنة المسكينة الآتية، وكأنها جاءت لتكفير الذنوب كلّها، فنقرّر أنها ستكون سنة الانضباط، سنة التوازن، سنة الإنجاز، سنة النوم المبكّر، سنة شرب الماء، سنة الاهتمام بالصحة النفسية، سنة ترتيب الحياة، السنة التي سنصبح فيها نسخة محسّنة من أنفسنا، من دون أن نعرف من أين نبدأ أو لماذا لم ننجح بذلك خلال السنوات العشر الماضية. لكن لا بأس، هذه المرة مختلفة لأن… الرقم مختلف.
لا وعود
الغريب أن رأس السنة لا يطلب منا شيئًا، لا يرسل رسالة، لا يلمّح لشيء، لا يَعد بشيء، لكننا نحمّله أكثر مما نحتمل نحن، نضع فيه كلّ آمالنا المؤجّلة، كلّ طموحاتنا المتعثرة، كلّ الخطط التي لم ننفذها لأننا "لم نكن جاهزين". والآن فجأة، وبمجرّد اقتراب كانون الثاني، أصبحنا جاهزين نفسيًا وروحيًا وجسديًا، من دون أيّ تغيير فعلي.
وقبل نهاية السنة بأيام ندخل في مرحلة التأمُّل الدرامي. نراجع العام الراحل وكأنه علاقة سامّة خرجنا منها للتوّ، نحلّل، نلوم، نتفلسف، نسأل أنفسنا أسئلة وجودية فجأة: لماذا لم ننجز؟ لماذا كنا نتحمّس ثم نختفي؟ لماذا اشترينا أشياء قلنا إنها ستغيّر حياتنا ولم تفعل سوى شغل مساحة زائدة في البيت؟ لماذا نحن هكذا؟ ثم نصل إلى الاستنتاج العبقري أن المشكلة كانت في النسخة القديمة منا، والحل بسيط: سنصبح أشخاصًا آخرين!
قائمة مثالية بلا أساس
هكذا وبكل "فهلويّة" نكتب قرارات السنة الجديدة، وكأننا نكتب شروط شريك مثالي: "سأهتمّ بنفسي، سأضع حدودًا، سأستثمر وقتي، سأحيط نفسي بأشخاص إيجابيّين داعمين، سأقرأ، سأتعلّم، سأتمرّن، سأطبخ في البيت، سأقلّل السكر، سأقلّل "السوشيال ميديا"، سأذهب إلى النادي الرياضي (وهنا نبتسم بسخرية خفيفة لكن نكتبها على أي حال، لأن التفاؤل مجاني في كانون الأول). القائمة تطول، والطاقة في السماء، والإيمان بالنفس في أعلى مستوياته... وكل هذا من دون سبب منطقي واحد.
شرخ منتصف الليل
ثم تأتي ليلة رأس السنة التي نتصرّف فيها جميعًا وكأنّ الكون جالس معنا في الغرفة ينتظر تصرّفاتنا ليقرّر مصيرنا. نرتدي ملابس جميلة حتى لو كنا سنقضيها في البيت، نلتقط صورًا "عفوية" أخذت منا عشر محاولات، نبتسم أكثر من اللازم، ونشعر أنّ شيئًا مهمًا يحدث... مع أن كلّ ما يحدث فعليًا هو أننا ننتظر الساعة.
وينقسم البشر في هذه الليلة إلى فئتَين واضحتَين جدًا: واحدة تريد احتفالًا ضخمًا، موسيقى عالية، عدًّا تنازليًا، أحضانًا جماعية، قبلات، دموعًا، وكأن كلّ مشاكلهم ستختفي عند الرقم صفر. وفئة أخرى تقول بكلّ ثقة إنها لا تهتمّ برأس السنة، لكنها تعرف بالضبط كم بقي حتى منتصف الليل، وتفتح "الستوري" كلّ دقيقتين، وتشعر بانزعاج خفيف لو نامت قبل التقاء العقربَين.
عاطفة جيّاشة وعسل
وعندما يبدأ العدّ التنازلي، نصبح فجأة عاطفيّين بشكل غير مفهوم: نحتضن أشخاصًا لم نتحدث معهم طوال السنة، نرسل "سنة سعيدة" لأشخاص لا نريد التحدث معهم غدًا، نتصالح مع ذكريات لا تحتاج مصالحة، نشعر لثانيتَين أنّ شيئًا عظيمًا حدث، ثم ينتهي العدّ. ننظر حولنا، المكان نفسه، نحن أنفسنا، المشكلات نفسها، لكن الرقم تغيّر، ويُفترض أن هذا كافٍ لنشعر بالأمل.
الأيام الأولى من السنة تشبه شهر العسل في أي علاقة: نحن لطفاء، متسامحون، متفائلون بلا سبب، نستيقظ مبكرًا مرّتين ونحسبها إنجازًا، نأكل صحيًا حتى تنتهي الحلويات، نشتري دفاتر جديدة وندون فيها: "سأمشي على مهلي بدون ضغط"، وهي الجملة العالمية التي تعني، سأفعل كل شيء، لكن لاحقًا جدًا. السنة لا تزال بريئة، لم تخذلنا بعد، ونحن أيضًا لم نخذل أنفسنا بعد.
راجعون
ثم في الأسبوع الثالث، يبدأ الواقع بالتسلّل بهدوء. نكتشف أن مشاكلنا لم تختفِ، أن مزاجنا لم يتحوّل فجأة إلى إيجابي دائم، وأن النسخة الأفضل منا لم تُنزِل تحديثها. ننظر للسنة الجديدة بشكّ خفيف، نحاول تبرير الأمر، نقول ربما البداية بطيئة، ربما نحتاج وقتًا، ربما الأسبوع القادم، ثم يبدأ الصمت، فالتسويف، ثم الجملة الذهبية: "المهم النيّة".
وفي شباط، نكون قد عدنا رسميًا لأنفسنا الأصلية: المنبّه يُؤجَّل، النادي الرياضي يتحول إلى ذكرى جميلة، الخطط الكبيرة تُستبدل بواقعية مفاجئة، و "السنة طوووويلة"، وهي جملة لا يقولها أبدًا شخص ما زال متحمسًا. العلاقة مع السنة تصبح عادية، لا حبّ، لا كره، مجرد تعايش.
اكتشاف متأخر
وفي منتصف العام نصل للنضج المتأخِر. نكتشف أن المشكلة لم تكن في السنة وأنها لم تعدنا بشيء. لم توقع عقد تحسين ذات. نحن فقط نحب فكرة البداية، نحب الوهم النظيف، نحب الشعور بأن ثمّة فرصة جديدة، حتى لو كنا سنكرّر الأخطاء نفسها بالطريقة نفسها، إنما بقلم جديد.
ومع اقتراب نهاية السنة، نودّعها بنبرة حكيمة: كانت سنة صعبة لكنها علّمتنا الكثير، "اللي جايي أفضل". نقول ذلك ونحن نعرف تمامًا أننا بعد أيام سنقع في الفخ نفسه، ونكرّر العبارة الأبدية: "أشعر أن هذه السنة ستكون مختلفة".
مرآة مكسورة
هناك أيضًا لحظة صغيرة لا يتحدث عنها أحد في رأس السنة. لحظة نقف فيها أمام المرآة قبل الخروج أو قبل فتح "Zoom" الاحتفال، ونقول لأنفسنا: "هذه النسخة مني موقتة"، وكأننا في انتظار إصدار مطوَّر سيصدر مع كانون الثاني. نعد أنفسنا أن هذه آخر مرة نسهر بلا سبب، آخر مرة نؤجّل، آخر مرة نبالغ في التفكير، ونقول ذلك بالثقة التي قلناها العام الماضي وقبله.
رأس السنة ليست منقذًا، ولا معجزة، وليست موعدًا عاطفيًا ناجحًا. إنها مجرّد رقم، لكننا نحتاجه. نحتاج هذا الوهم مرّة في السنة، نحتاج أن نصدّق ولو قليلًا، أن البداية ممكنة، حتى لو كتبنا الصفحة الجديدة بالخط نفسه، وبالأخطاء نفسها، وبالأمل نفسه. والمضحك؟ سنفعلها مرة أخرى، وسنفرح ونبالغ... وقد يأتي الغد في يوم كيوم آخر.
