في زمن ميلاد المسيح الذي وُلد فيه الرجاء من رحم العتمة، وانطلقت رسالة الخلاص والعدالة والإنسانية، تأتي عروض مسرحيّة "أنا وغيفارا" لتعيد طرح السؤال القديم ذاته: كيف يمكن للإنسان أن يواجه اللاعدالة، وأن يستعيد كرامته؟ وانطلاقًا من التساؤلات الفكرية والإنسانية التي لطالما شكّلت جوهر التجربة المسرحيّة التي يخوضها ماهر وفريد الصبّاغ، يعود الأخوان الفنانان بعمل جديد يجمع بين الالتزام الفكري والرؤية الجمالية.
تأتي مسرحيّة "أنا وغيفارا" في صيغة فنيّة متكاملة، تضمّ نخبة من نجوم الصف الأوّل في التمثيل المسرحيّ، وحوارات محكمة، ووصلات غنائية مميّزة، ضمن رؤية إخراجيّة ناضجة ومغايرة لما اعتاده الجمهور في الآونة الأخيرة. ويُشكّل هذا العمل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة الأخوين الصبّاغ المسرحيّة، واحتفالًا بمرور 20 سنة على عرض مسرحيّة "تشي غيفارا" عام 2006، وعودة واعية إلى الأسئلة الكبرى التي طرحاها سابقًا. غير أن هذه العودة لا تأتي على شكل تكرار، بل كقراءة جديدة لنصّهما المسرحيّ تنسجم مع تحوّلات الزمن الراهن، ضمن مقاربة أكثر عمقًا ونضجًا تعكس تطوّرهما الشخصي والفني على مستوى الكتابة والإخراج والتمثيل، كما أشار الأخوان الصبّاغ في حديثهما إلى "نداء الوطن".
بهذا المعنى، لا تُعدّ المسرحيّة التي بدأت عروضها في 20 كانون الأول على "مسرح جورج الخامس" في أدونيس، مجرّد استعادة لعمل سابق، بل هي استكمال لمسار فكريّ وفنيّ طويل يواكب التحوّلات السياسية والإنسانية، ويؤكّد أن الأسئلة الكبرى حول الثورة والعدالة والإنسان لا تفقد راهنيّتها، بل تتجدّد مع الزمن وتفرض قراءات جديدة.
الشخصيّات
على صعيد الشخصيّات الأساسية في المسرحيّة، يتقمّص ماهر الصبّاغ شخصية الزعيم الكوبي فيدال كاسترو، فيما يجسّد شقيقه فريد الصبّاغ دور الثائر الأرجنتينيّ الشهير تشي غيفارا، في ثنائية درامية تحتفي بالتاريخ والتمرّد معًا. يشاركهما على الخشبة، بدَور مركّب وحضور لافت، الممثلة نادين الراسي التي تتنقل بمرونة بين ثلاث شخصيات متباينة: إيفا، رمز الدول الإقليمية التي تعبث بمصائر الشعوب الضعيفة؛ وتانيا، الحبيبة الثانية لغيفارا، والسيدة مريم العذراء، في مشهد مهيب يحمل بعدًا روحيًا صادمًا ومؤثرًا.
وفي خروج واضح عن أدواره الكوميدية المعتادة، يقدّم الممثل جوزيف آصاف أداءً مختلفًا كليًا، مجسّدًا شخصية جنرال قاسٍ يكنّ عداءً مطلقًا للثوّار، ويلاحقهم بمحاولات قتل لا تتوقف. أما الممثلة أنطوانيت عقيقي المعروفة بـ "لوليتا"، فتؤدّي دور ملازم في الجيش، قبل أن تنحاز في نهاية المطاف إلى صفوف الثوّار في تحوّل دراميّ لافت.
ويحضر البعد الكوميدي في العرض المسرحيّ، من خلال الممثل ريمون صليبا في دور "بابلو"، زوج الشخصية التي تؤديها عقيقي في المسرحيّة، وزميلها في المهنة العسكرية، لكنه شخصية مستضعفة أمامها، يدخل معها في صراعات يومية تتخذ قالبًا كوميديًا ذكيًا، يوازن بين الضحك والنقد. وتكتمل اللوحة الفنية مع الفنانة كارين رميا، التي تؤدي بصوتها العذب دور ثائرة وصديقة مقرّبة لفيدال كاسترو وتشي غيفارا، مضيفة بعدًا غنائيًا وإنسانيًا إلى العمل.
المشهديّة المسرحيّة في "أنا وغيفارا" لا تقتصر على الأداء التمثيلي فحسب، إذ تشارك في العمل مجموعة فنيّة تؤدي الغناء والرقص والتمثيل، لتمنح العرض بُعدًا استعراضيًّا حيًّا يضخ الحركة والإيقاع في السرد الدرامي، ويحوّل الخشبة إلى مساحة نابضة بالحياة، تتكامل فيها الصورة والصوت والحركة ضمن تجربة مسرحيّة شاملة.
الجدير بالذكر أن اختيار نادين الراسي لتجسيد ثلاث شخصيات مركّبة في عملٍ واحد، أتى، بحسب حديث فريد الصبّاغ، نتيجة براعتها في التمثيل وقدرتها على الانتقال من شخصية لأخرى بسلاسة واحترافية.
محاربة العنف بالفن
من المعروف تاريخيًا عن شخصية تشي غيفارا صرامته الشديدة في التعامل مع الخونة، وقسوته في تنفيذ الإعدامات بحق معتقلين سياسيين، وهي وقائع موثقة غالبًا ما تُستحضر عند تناول إرثه الثوري. غير أن الأخوين ماهر وفريد الصبّاغ اختارا مقاربة مختلفة لهذه الشخصية الجدليّة، فذهبا إلى المسرح لا بوصفه مساحة تمجيد أعمى، بل ساحة مساءلة أخلاقية وفكرية.
على الخشبة، نُقلت هذه الوقائع التاريخية بأسلوب درامي واعٍ، يُظهر بوضوح موقف "الصبّاغَين" النقدي من هذه السمات في شخصية الثائر الشهير. فبدل تبرير العنف أو تطبيعه، جاء الطرح المسرحيّ محمّلًا بإشارات اعتراض وتساؤل، كأن العمل يقول إن الثورة، مهما سمت أهدافها، تفقد معناها حين تنقلب على الإنسان ذاته.
هذا الموقف لم يقتصر على ما ظهر في العرض المسرحيّ، بل أكّد الأخوان الصبّاغ هذا التوجّه في حديثهما معنا، حيث شدّدا على رفضهما المطلق العنفَ كوسيلة لتحقيق العدالة، وعلى معارضتهما مقولة ماكيافيلي "الغاية تبرّر الوسيلة"، مهما كانت الغاية نبيلة أو محقة. فبالنسبة إليهما، لا يمكن للعدالة أن تُبنى على الدم، ولا للحرية أن تولد من الإلغاء.
بهذا الطرح، تتحوّل "أنا وغيفارا" من عمل يستعيد سيرة ثائر عالميّ، إلى تجربة مسرحية فكرية تفتح باب النقاش حول حدود الثورة، وأخلاقيات النضال، والمسافة الدقيقة بين الحلم بالعدالة والانزلاق إلى العنف، في قراءة معاصرة تلامس أسئلة الإنسان في كلّ زمان ومكان.
ضخامة الإنتاج
صحيح أن المسرح اللبناني شهد في السنوات القليلة الأخيرة حراكًا لافتًا وإيجابيًّا، مع عودة العروض إلى أكثر من خشبة، في محاولة واضحة لإعادة وصل الجمهور بالمسرح بعد فترات من الركود، ولإعطاء بعض الوجوه الجديدة فرصة الظهور وتقديم أعمالها. غير أن معظم هذه الأعمال، على أهميّتها، جاءت بإنتاج متواضع نسبيًا، سواء من حيث عدد الممثلين، أو بساطة الديكور، أو محدودية الإمكانات التقنيّة، فبدا التركيز منصبًّا على الإخراج والفكرة، أكثر منه على بناء عرض متكامل يحمل طابع الضخامة. في المقابل، شكّلت "أنا وغيفارا" التي يقدّمها حاليًا الأخوان الصبّاغ، حالة استثنائية ضمن هذا المشهد. فقد جاءت بإنتاج ضخم وواضح، يعكس جرأة في الرهان على المسرح كَفَنٍ جماعيّ يحتاج إلى استثمار حقيقي: ديكور متنوّع ومتبدّل يخدم تطوّر الأحداث، مساحة بصرية غنية، وفريق عمل كبير يضمّ ممثلين، مغنين، راقصين، وتقنيين، يعملون بتناغم واحترافية عالية.
أما الإخراج، فتميّز بدقته وشموليّته، بدءًا بالهندسة الصوتية المدروسة التي منحت العرض عمقًا ووضوحًا، مرورًا بتصميم الرقصات الذي جاء منسجمًا مع السياق الدرامي لا استعراضًا منفصلًا عنه، وصولًا إلى إدارة الممثلين على خشبة المسرح، حيث بدت الحركة سلسة، والتفاعل حيًّا، والتبادل الدرامي متماسكًا ومقنعًا.
بهذا المعنى، لا تكتفي مسرحيّة ماهر وفريد الصبّاغ بتقديم مضمون فكري وسياسي لافت، بل تطرح أيضًا نموذجًا إنتاجيًا مختلفًا يعيد الاعتبار إلى فكرة العرض المسرحي الغنائي الكبير، القادر على الجمع بين الفكر والجمال والتقنية، ويؤكّد أن المسرح اللبناني ما زال قادرًا، رغم كل التحدّيات، على تقديم أعمال ضخمة تليق بجمهوره وتاريخه.
* "أنا وغيفارا" مسرحيّة غنائيّة للأخوين فريد وماهر صبّاغ، على "مسرح جورج الخامس" - أدونيس، الساعة 8:30 مساءً. مع سبع بعقليني، جوزيف آصاف، أنطوانيت عقيقي، نادين الراسي، كارين رميا، ريمون صليبا، رفيق فخري، وآلان العيلي.