جو رحال

خطوة مفصلية في عهد جوزاف عون

4 دقائق للقراءة

في محطة إصلاحية بالغة الدلالة، أقرّ مجلس الوزراء في السراي الحكومي مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بقانون "الفجوة المالية"، في خطوة تُسجَّل ضمن المسار الإصلاحي الذي يشهده عهد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وتأتي في لحظة اقتصادية حرجة تتقدّم فيها الحاجة إلى إعادة الانتظام المالي على أي اعتبارات سياسية أو خارجية.

إقرار المشروع لم يكن تفصيلاً تقنيًا، بل شكّل اختبارًا سياسيًا واقتصاديًا للدولة اللبنانية، التي تسعى منذ أكثر من خمس سنوات إلى الخروج من أسوأ أزمة مالية في تاريخها الحديث، وسط انهيار الثقة بالقطاع المصرفي، وتآكل حقوق المودعين، وتعطّل أي مسار إنقاذي جدّي.

المشروع أُقرّ بعد جلسة وزارية ختامية اتسمت بنقاشات مطوّلة وحادة، استكمالًا لمسار بدأ مطلع الأسبوع في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية. ومع تعذر التوصّل إلى توافق شامل، جرى اللجوء إلى التصويت بناءً على إصرار رئيس الحكومة نواف سلام، فحاز المشروع موافقة 13 وزيرًا من أصل 22، مقابل اعتراض 9 وزراء، فيما غاب وزير الثقافة غسان سلامة، وغادر وزير الخارجية يوسف رجّي قبل بدء عملية التصويت.

وضمّت لائحة المعترضين وزراء من اتجاهات سياسية مختلفة، ما عكس حجم التباين داخل الحكومة نفسها، إلا أن هذا الانقسام لم يخرج عن الإطار السياسي المتوقع في ملف بحجم إعادة توزيع الخسائر المالية، والذي لطالما شكّل إحدى أعقد عُقد الأزمة اللبنانية.

ورغم حدّة السجالات، أظهرت مواقف عدد من الوزراء المعترضين أن التحفظات لم تطل جوهر القانون، بل ركّزت على آليات التطبيق وبعض الصياغات، ما يفتح الباب أمام إمكانية تعديل بعض البنود في مجلس النواب. غير أن التصعيد الإعلامي الذي رافق الجلسة، وفق مصادر متابعة، تجاوز الطابع التقني، واتخذ في بعض جوانبه بُعدًا سياسيًا وانتخابيًا، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاق النيابي.

وفي مؤتمر صحافي أعقب الجلسة، خرج رئيس الحكومة نواف سلام مدافعًا عن المشروع، ومفندًا ما وصفه بـ "حملات التضليل". وأكّد أن 85 % من المودعين، أي الذين تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار، سيحصلون على كامل أموالهم خلال فترة لا تتجاوز أربع سنوات، من دون أي اقتطاع.

أما المودعون الذين تفوق ودائعهم هذا السقف، فسيُعاد إليهم المبلغ الأساسي تدريجيًا، بدءًا بدفع 100 ألف دولار، فيما يُحوَّل الجزء المتبقي إلى سندات قابلة للتداول، مع عائد سنوي بنسبة 2 %. وشدّد سلام على أن هذه السندات ليست «"حبراً على ورق"، بل مدعومة بأصول وإيرادات مصرف لبنان.

وفي نقطة بالغة الحساسية، نفى سلام بشكل قاطع أي مساس باحتياطي الذهب، مؤكدًا الالتزام بقانون حمايته، كما رفض توصيف القانون بأنه "عفا الله عمّا مضى"، مشيرًا إلى إدراج آليات مساءلة ومحاسبة غير مسبوقة، تطال من استفاد من التحويلات المشبوهة قبل الانهيار، أو من الهندسات المالية والمكافآت المفرطة، مع إمكان فرض تعويضات تصل إلى 30 %.

ورغم أن القانون ينسجم مع متطلبات صندوق النقد الدولي، إلا أن إقراره، وفق مقربين من رئاسة الجمهورية، يأتي أولًا في سياق حاجة داخلية ملحّة لإعادة تنظيم الخسائر وتثبيت قاعدة واضحة لاستعادة الودائع، تمهيدًا لإعادة الثقة بالقطاع المصرفي وفتح الباب أمام أي تعافٍ اقتصادي مستدام.

الأنظار تتجه الآن إلى مجلس النواب، حيث سيُحال المشروع فور توقيع مرسوم الإحالة، ليخضع لنقاش معمّق داخل اللجان النيابية المختصة قبل عرضه على الهيئة العامة. وهناك، سيخضع القانون لاختبار سياسي وتشريعي صعب، في ظل الانقسام القائم، وحساسية الملف شعبيًا، وتداخل الحسابات الانتخابية.

غير أن الثابت، وفق مراقبين، أن مجرّد إقرار مشروع قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء يُشكّل كسرًا لحلقة الجمود التي حكمت هذا الملف لسنوات، ورسالة واضحة بأن الدولة، في عهد الرئيس جوزاف عون، قرّرت الانتقال من إدارة الانهيار إلى محاولة تنظيم الخروج منه، مهما كانت كلفة القرار