شادي معلوف

"كنت سعيدة وثرية ومحبوبة للغاية... وأيضًا تعيسة للغاية"

رحيل "BB" التي منحت جمالها لرجال وحكمتها للحيوانات

5 دقائق للقراءة

"أفلامها، صوتها، مجدها المتلألئ، حرفا اسمها الأولان، أحزانها، شغفها السخيّ بالدفاع عن الحيوانات، ووجهها الذي أصبح "ماريان"، كانت بريجيت باردو تجسيدًا لحياةٍ من الحرية. حضورٌ فرنسي، وبريقٌ عالمي. لقد لامستنا. ننعى أسطورةً من أساطير القرن"، بهذه الكلمات رثى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مواطنته بريجيت باردو (91 عامًا)، الشهيرة بـ "BB"، الممثلة والمغنية والناشطة في مجال الدفاع عن الحيوانات والداعمة لسياسيّي اليمين الحازم.

"أيقونة السينما" لحوالى عقدَين منذ منتصف خمسينات القرن العشرين وحتى منتصف سبعيناته، أعلنت وفاتها أمس الأحد، "مؤسسة بريجيت باردو". وكانت صحّة النجمة الفرنسية المعتزلة، بدأت بالتراجع عام 2023 حين دخلت المستشفى بسبب مشكلات في التنفس، وخضعت قبل حوالى شهرَين لتدخل جراحي في أحد مستشفيات مدينة تولون. 

باردو المولودة في باريس في 28 أيلول 1934، ترعرعت في منزل من الطبقة المتوسطة العليا، وكانت، بحسب وصفها نفسَها، طفلة خجولة "تضع نظارة وشعرها خفيف". في سن الخامسة عشرة، بدأت مسيرتها في عرض الأزياء. بسرعة انتقلت إلى عالم الأفلام السينمائية، وشكّلت الشخصية التي جسّدتها عام 1956 في فيلم "Et Dieu... créa la femme" للمخرج روجيه فاديم، الإطلالة التي دفعت بها نحو الشهرة العالمية مجسّدةً الأنوثة المتحرّرة. بقدَمين حافيتَين وشَعر منفوش وطاقة جامحة وهي ترقص "المامبو" في الفيلم الجَدَليّ، أطلقت باردو جاذبية جنسيّة نادرًا ما شوهدت من قبل في السينما الفرنسيّة، فصدمت الرقابة وأسرت الجمهور وشكّل حضورها السينمائي في ذلك الحين قطيعة حاسمة مع بطلات الحقبة السابقة المتسمات بالاحتشام.

خلال مشوارها السينمائي الذي بلغت حصيلته 45 فيلمًا بين عامَي 1954 و 1974، انتقلت من أكثر من مجرّد رمز للإغراء إلى أيقونة ثقافة شعبية ومرجع للتحوّلات الاجتماعيّة في بلدها والعالم. من أفلامها الشهيرة: "La Vérité" عام 1960 للمخرج هنري-جورج كلوزو، و "Le Mépris" للمخرج جان-لوك غودار عام 1963.

منذ مطلع صباها، كانت "BB" ملهمة العديد من الفنانين. يُقال إن المغني الأميركي بوب ديلان كتب أول أغنية له عنها، لكنها لم تذع. ثمّ ذكرها صراحةً في أغنيته "I Shall Be Free". كذلك رسم الفنان الأميركي آندي وارهول "بورتريه" لها.

مشوار بريجيت باردو تحت الضوء لم يمنعها من الإعلان ذات يوم بعد الاعتزال، أن عالم السينما فاسد، وقد "منحتُ السينما 20 عامًا من عمري، وهذا يكفي". ووصفت باردو حياة الشهرة بأنها تسبّب العزلة، كما تحدّثت مرارًا عن إحساسها بأن شهرتها تحبسها وتحرمها من الاستمتاع بمباهج الحياة البسيطة.

علاقات عاطفيّة عدّة عاشتها النجمة الراحلة، كان أبطالها رجال فن وسياسة ومجتمع، منها ما خرج إلى العلن ومنها ما بقي بين الشريكَين. أما زيجاتها الأربع، فكانت أولاها من المخرج روجيه فاديم الذي أمسك بيدها في خطواتها الأولى نحو النجومية، ثمّ من الممثل جاك شارييه والد ابنها نيكولا الذي انطلق في حياته بعيدًا منها بعد فشلها في دور الأم. زيجتها الثالثة كانت مع المصوّر ورجل الأعمال غانتر ساكس. خيانات متبادلة أنهت ارتباطهما. لتتزوّج مرة رابعة عام 1992 من رجل الصناعة والسياسة برنارد دورمال.

كما العديد من المشاهير، لم تكن حياة باردو مستقرّة. ففي عيد ميلادها السادس والعشرين، عثر عليها فاقدة الوعي في منزلها بعد أن حاولت الانتحار. وشاع أنها حاولت الانتحار مرة أخرى بعد ذلك بسنوات، عندما ألغت فجأة الاحتفال بعيد ميلادها التاسع والأربعين ثمّ ظهرت بعد ذلك في المستشفى. بعدها قالت في مقابلة صحافية: "كنت سعيدة للغاية وثرية للغاية وجميلة للغاية ومحبوبة للغاية ومشهورة للغاية... وأيضًا تعيسة للغاية... تعرضت للخذلان كثيرًا ومررتُ بخيبات أمل رهيبة حقًا في حياتي، ولهذا السبب اخترت الانسحاب والعيش وحدي".

أسّست "BB" في العام 1986، "مؤسسة بريجيت باردو" لحماية الحيوانات. عن شغفها ذاك قالت: "منحت جمالي وشبابي لرجال... وسأمنح حكمتي وخبرتي للحيوانات".

بعض الآراء السياسية والاجتماعية والتصريحات التي أدلت بها باردو بشأن الهجرة والإسلام والمثليّة الجنسية، أثارت الكثير من الجدل والاتهامات بالتحريض على الكراهية العرقية، وقد حوكمت مرارًا بسبب تصريحات استهدفت بها المسلمين في فرنسا، خصوصًا حين وصفتهم بأنهم "يدمّروننا ويدمّرون بلدنا بفرض سلوكياتهم".

في العام 1959، كتبت الروائيّة الفرنسيّة سيمون دو بوفوار مقالًا مجّدت فيه إحساس بريجيت باردو الصريح بالحرية. وكتبت الفيلسوفة النسوية: "ب.ب. لا تحاول إحداث فضيحة. إنها تتبع ميولها. تأكل حين تجوع، وتمارس الحب بالبساطة نفسها، دون تكلّف. يمكن تصحيح الهفوات الأخلاقية، لكن كيف يمكن شفاء ب. ب. من تلك الفضيلة الباهرة: الأصالة؟ إنها جوهرها ذاته". وختمت دو بوفوار كاتبةً: "آمل أن تنضج، لكن من دون أن تتغيّر".

ومن المرجّح أن تكون جنازة بريجيت باردو بسيطة وخاصّة كما أوصت وكرّرت مرارًا، على أن يُدفن جثمانها في سان تروبيه الفرنسيّة حيث عاشت منذ سنوات طويلة، في مقبرة خاصة قريبة من منزلها الذي أُطلق عليه تسمية "La Madrague" وهي عنوان أغنية أدّتها، ويكون شاهد قبرها صليبًا خشبيًّا يُدوَّن عليه اسمها وتاريخا ولادتها ووفاتها.