باريس
في موقف سياسي وإنساني لافت، عبّر وزراء خارجية عشر دول غربية كبرى عن قلقهم العميق من الاوضاع الانسانية والمعيشية في قطاع غزة، موجّهين انتقادات مباشرة وواضحة لإسرائيل بسبب القيود التي تفرضها على العمل الإنساني، وما يترتب على ذلك من معاناة غير مسبوقة للمدنيين.
البيان المشترك، الصادر عن وزراء خارجية كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا واليابان والنرويج والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة، وصف الوضع الإنساني في غزة بأنه «لا يزال كارثيًا»، مؤكدًا أن التدهور مستمر الرغم من وقف إطلاق النار وزيادة محدودة في دخول المساعدات.
وضع إنساني "بالغ الخطورة"
الوزراء لم يكتفوا بالتحذير العام، بل عرضوا أرقامًا تعكس حجم المأساة، مشيرين إلى أن «1.3 مليون شخص لا يزالون بحاجة ماسة إلى مأوى»، وأن «أكثر من نصف المرافق الصحية لا تعمل إلا بشكل جزئي وتعاني من نقص في الإمدادات والمعدات الطبية الأساسية». كما حذّر البيان من أن «740 ألف شخص يتعرضون لمخاطر ما وصفوه بفيضانات سامة بسبب الانهيار الكامل للبنية التحتية للصرف الصحي».
في ما يتعلق بالغذاء، استشهد الوزراء بتقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، مؤكدين أن «غالبية السكان في قطاع غزة (1.6 مليون شخص) يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد»، على الرغم من تراجع خطر المجاعة مقارنة بشهر آب.
انتقاد مباشر للقيود الإسرائيلية
اللافت في البيان أنه حمّل إسرائيل، بصفتها القوة المسيطرة على المعابر والطرق، مسؤولية مباشرة عن عرقلة الاستجابة الإنسانية. فقد شدد الوزراء على أن «الاستجابة الإنسانية لا تزال تعاني من عوائق جسيمة بسبب القيود المستمرة على الوصول الإنساني»، في إشارة واضحة إلى السياسات الإسرائيلية.
في لهجة غير معتادة من دول تُعد تقليديًا حليفة لإسرائيل، دعا البيان صراحة «دولة إسرائيل إلى اتخاذ تدابير أساسية وعاجلة»، واضعًا أربعة مطالب رئيسية، أبرزها السماح للمنظمات الإنسانية الدولية بالعمل دون عوائق.
وحذّر الوزراء من أن الشروط الإسرائيلية الجديدة لتسجيل المنظمات غير الحكومية قد تؤدي إلى «إجبار منظمات غير حكومية دولية على وقف أنشطتها في غزة والضفة الغربية خلال 60 يومًا»، وهو ما ستكون له عواقب خطيرة، إذ أكد البيان أنه «إذا توقفت عمليات المنظمات غير الحكومية الدولية، فسيُغلق واحد من كل ثلاثة مرافق صحية في غزة».
وأكد الوزراء بوضوح أن «أي محاولة لعرقلة قدرة هذه المنظمات على العمل أمر غير مقبول»، في إدانة مباشرة للسياسات الإسرائيلية التي تقيد عمل الإغاثة.
الدفاع عن الأمم المتحدة و”الأونروا”
كما دافع البيان بقوة عن دور الأمم المتحدة، مطالبًا إسرائيل بضمان استمرار عملها، ومشددًا على أهمية وكالة "الأونروا"، التي «تقدم خدمات أساسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما في مجالي الصحة والتعليم». ويأتي هذا الموقف في ظل الانتقادات والضغوط الإسرائيلية المتزايدة ضد الوكالة الأممية.
المعابر والقيود “المفرطة”
في ملف المعابر، انتقد الوزراء القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال السلع، ولا سيما تلك المصنفة «ذات استخدام مزدوج»، معتبرين أنها تشمل «المعدات الطبية ومواد الإيواء الضرورية»، وتؤدي إلى تعطيل إصلاح البنية التحتية الحيوية.
كما أشار البيان إلى أن الإجراءات الجمركية والتفتيش المشدد «تؤدي إلى التأخير في ايصال المساعدات، في حين يُسمح بدخول الشحنات التجارية بصورة أكثر حرية»، مما يعكس، بحسب مراقبين، ازدواجية في المعايير على حساب الاحتياجات الإنسانية.
وطالب الوزراء بأن يكون هدف إدخال «4200 شاحنة أسبوعيًا، بما في ذلك 250 شاحنة للأمم المتحدة يوميًا، حدًا أدنى لا سقفًا أقصى»، في رسالة واضحة بأن ما تسمح به إسرائيل حاليًا لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.
موقف سياسي لا لبس فيه
على الرغم من ترحيب الوزراء بالجهود الرامية إلى وقف القتال والإفراج عن الرهائن، فإنهم أكدوا أنهم «لن يغفلوا معاناة السكان المدنيين في غزة»، واضعين حماية المدنيين في صلب موقفهم.
وختم البيان بدعوة صريحة لإسرائيل إلى «رفع العوائق أمام الوصول الإنساني، والوفاء بالتزاماتها، واحترام خطة السلام»، مؤكدًا أن أي تعافٍ أو إعادة إعمار أو سلام دائم «سيظل مستحيلاً» ما لم تتغير السياسات الإسرائيلية على الأرض.
بهذا البيان، يوجّه وزراء خارجية هذه الدول رسالة واضحة: الدعم السياسي لإسرائيل لا يعني الصمت على سياساتها، وأن ما يجري في غزة، ولا سيما بحق المدنيين، لم يعد مقبولاً أخلاقيًا ولا إنسانيًا ولا متوافقا مع القانون الدولي.