نشوء "لبنان الكبير" عام 1920 لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تلاقي مجموعة من العوامل المتنوّعة. وإذا ما دقّقنا في هذه العوامل، نلحظ تشابهًا لافتًا بينها وبين تلك الملازمة للبنان عام 2025.
الأحداث التي سبقت التأسيس
عاش جبل لبنان بين الأعوام 1914 و1918 سنوات قاسية من المجاعة والحصار والحرب، أودت بحياة نسبة كبيرة من أبنائه، ودفعت بالكثيرين إلى الهجرة، فضلًا عن انهيار الهياكل الإدارية والتنظيمية في الجبل.
أما السنوات التي سبقت عام 2025، فكانت بدورها سنوات عجاف بكل ما للكلمة من معنى: فقر مدقع، هجرة غير مسبوقة، تلاشي سبل العيش، وانهيار شبه كامل لمفهوم الدولة ومؤسساتها.
الإرادة الداخلية
صحيح أن عددًا كبيرًا من اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، رفضوا في البداية فكرة لبنان الكبير، إلا أن ذلك لا ينفي وجود إرادة داخلية وازنة دفعت في هذا الاتجاه. ويُعدّ حضور المرجعيات الروحية الإسلامية والمسيحية يوم إعلان لبنان الكبير، إضافة إلى نتائج استطلاعات لجنة كينغ–كراين، دليلًا واضحًا على هذه الإرادة.
أما في عام 2025، فقد باتت الغالبية الساحقة من اللبنانيين مقتنعة بخيار الدولة، باعتبارها الحكم العادل بين أبنائها والمرجعية القانونية والعسكرية الوحيدة. ويتجلّى ذلك في التفاف اللبنانيين حول جيشهم، وفي العملية التشاركية الواسعة داخل السلطة والإدارة، وفي قرار حصر السلاح بيد الدولة الذي طبع عام 2025 وطوى صفحة "الاستثناء" التي بدأت عام 1969 مع اتفاق القاهرة.
الإرادة الدولية
عقب سقوط السلطنة العثمانية، سعت الدول الأوروبية إلى إقامة كيانات سياسية تخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء في مجال النفوذ أو التجارة أو مصادر الطاقة، فرُسمت الحدود بما يتلاءم مع متطلبات السياسة الدولية آنذاك.
أما في عام 2025، فقد شهد لبنان التفاتة دولية واضحة، تعود إلى جملة عوامل، أبرزها الرغبة في ألّا يعود لبنان مصدر قلق دولي، ولا مصنعًا لما يشكّل خطرًا على العالم، فضلًا عن الحرص على تجنيب المنطقة أي نزاع أو تهديد عسكري قد يطال إسرائيل.
الإرادة الكنسية
حمل رجال الكنيسة إلى مؤتمر الصلح مشروع لبنان بحدوده الحالية، مدفوعين بعوامل مبدئية، منها أن الأراضي والأقضية الملحقة كانت تاريخيًا جزءًا من لبنان، وبعوامل عملية أبرزها محدودية الأراضي الزراعية في الجبل والخوف من تكرار المجاعة، إضافة إلى السعي لمنع تحوّل لبنان إلى "أرض جهاد" في المستقبل.
أما في عام 2025، فمن المعروف أن الزيارات البابوية لا تأتي في مواعيد عشوائية، بل تواكب بدايات تحوّلات كبرى. وقد قيل الكثير عن امتناع البابا فرنسيس عن زيارة لبنان في ظل تعطيل العدالة في ملف انفجار مرفأ بيروت واغتراب الدولة عن ذاتها. غير أن الزيارة الأخيرة للبابا لاوون الرابع عشر شكّلت تثبيتًا لإرادة كنسية داعمة لـ"لبنان الجديد".
وإذا ما أمعنّا النظر في المشهد، فإن صورة البابا وهو يضيء شمعة، وإلى جانبه رئيس الحكومة نواف سلام، عند النصب التذكاري لضحايا انفجار الرابع من آب، تختصر الكثير من معاني المرحلة الجديدة: كلّ شيء قد تغيّر؛ لا سلام من دون عدالة، والعالم يقف إلى جانب لبنان حين يقف لبنان أولًا إلى جانب نفسه.
أختم لأقول، أنّ لبنان الجديد هو صورة عن العالم الجديد: مواطنون عالميون، حضارة منفتحة، ثقافة تسامح، نبذ للتطرّف، احترام للتعدديّة، وتشارك حقيقي في السلطة.
لقد سلكت الدولة اللبنانية مسارًا طويلًا بعد عام 1920 لنيل استقلالها وتثبيت دعائمها، ومرّت بتجارب قاتلة.
واليوم، في مطلع "لبنان الجديد"، تبدو الأمور معقّدة، لكن النظرة الأبعد تُظهر أن الإطار قد تغيّر، وأن الاتجاه قد صُحّح.
من هنا، تستحق لحظة البابا أمام نصب المرفأ لقب "لحظة العام"
ويستحق عام 2025 أن يُسجَّل بوصفه عام "لبنان الجديد".