في المنشأ وُلد رفيق شرف في بعلبك. هناك انقشعت ذاكرته الأولى وكوّنت بناء شخصيّته. أسَرَّ لي مرّة: "طفولتي كانت شقيّة، عدوانيّة وشرسة. كنت أتقاتل مع رفاقي في المدرسة، وغالبًا ما كنت أهرب إلى البراري. بنيتُ علاقاتٍ مع الطيور والأزهار والشجر، وكنت صديقًا للرّيح والمطر... اقتنعتُ بأنني قادر على الإصغاء والحوار مع العناصر... وكنت أستمتع بذاك السرّ، وإغراء صوت الرعد وعبور السُّحب وصوت زخات المطر"...
منذ تلك المرحلة المبكّرة، اكتشف رفيق شرف ميوله الشعريّة وحساسيّته وانجذابه نحو الفن للتعبير عن ذاته. في بداياته الفنيّة، رسم وجوه الفقراء وكان بينهم. وعاش طفولة قاسية في مجتمع قبَليّ عشائريّ.
تعدُّدُ مراحله الفنيّة عائد إلى نزعة شخصيّته الحرّة، كما لو كان لا يصدّق تجربته الفنية في آنيّتها، فيترك الحريّة "لنزواته" وتوتراته، ومزاجه المتقلب.
من بعلبك إلى بيروت، حصل انسلاخ في شخصية الرجل. تلك البيروت في ستينات القرن الماضي، كانت منبرًا وصالات عرض ومسارح ومطابع، ومناخًا ثقافيًّا، استمتع به رفيق شرف كما الكثير من أدباء العالم العربي والمثقفين والشعراء والفنانين، الهاربين من قمع النظم العسكرية في العالم العربي... رفيق شرف بقدْر ما طبعه هذا المناخ، كان يعاني حالة انسلاخ عن بيئته وغربة المطارح.
وبالرغم هذا الصراع الداخلي، في حوار قديم، أسَرَّ لي: "زمن الستينات، أنا وغيري شعرنا بأن بيروت - ملاذنا الجميل - أصبحت رافعة لكلّ فنان يفتش عن ذاته وحضوره في الحياة الثقافية - الفنية اللبنانية والعربية. مع الأسف كانت المدينة تختلج بالتناقضات! من جهة كان من يؤسس، وبالمقابل من لا تعجبه هذه التجربة الرائدة... أقول أكثر وبمرارة؛ كنا نشعر بأننا غرباء كفنانين، في وسطنا الاجتماعي وخاصة تجاه السلطة السياسية، كما حال المبدعين في كثير من مدن العالم، الذين تعرّضوا للقمع والسجن والنفي. فحُريّة المبدع تزعج الحاكم، ويربكها تأثير الأديب والفنان في الوسط الاجتماعي الشعبي"... "بعض نِتاجاتنا الفنيّة والأدبيّة، كانت توقعًا عميقًا بانفجار كبير. على سبيل المثال، رواية "طواحين بيروت" للأديب الكبير توفيق يوسف عواد الذي تنبَّأ بفواجع الحرب في بيروت وفي سائر المناطق...".
رفيق شرف لم يكن "وظيفة" جمالية، لقد جعل من الفن موقفًا ثقافيًّا ورؤية للهوية والذاكرة، فشكّل مشروعًا بصريًّا - فكريًّا، وسعى إلى تحرير اللوحة من تبعية التقليد الغربي، وأعاد وَصلَها بجذور مشرقيّة متجدّدة. فنقلَ المحليّ من الهامش الضيّق، إلى صدارة التجربة الحداثية، باعتبار أن الفنون لغة إنسانيّة شموليّة. تمیّزت أعماله بأسلوب تعبیريّ كثيف، بحيث أصبح اللون طاقة لا زينة، والخط حركة. وحوّل اللوحة من حالة التزيين المسطّحة إلى فعل مقاومة ثقافية في وجه التهميش والاغتراب، مُشبّعة بالقلق الوجودي وأسئلة ملحَّة حول الإنسان والانتماء والمصير!
شكّل التراث عمودًا في تجربة شرف التشكيلية. استلهم الأسطورة والطقوس الشعبية (مرحلة عنترة وعبلة) إلى الريف والأغاني والأمثال والرقص وذاكرة الفلّاحين الجماعيّة. تتجلّى رموزه التراثية في الخطوط الخشنة والوجوه الصارمة، والألوان الترابية، فكأن لوحته صُنعت من تراب الأرض!
هذه اللغة اللونية هي ارتباط عميق بالجذور. لقد حرّر رفيق شرف التراث من صورته الاستهلاكية وحمّله في أعماله توترًا إنسانيًّا وجوديًّا.
خاطب شرف جمهوره بحداثة عصريّة، دون التخلي عن الجذور. مزاوجة غريبة!
إنه رفيق شرف!
رفیق شرف - بعلبك (1932 - 2003). - خرّيج "الجامعة اللبنانية"، و "الأكاديمية الملكيّة للفنون" - إسبانيا، و "أكاديمية Pietro Vannucci" - إيطاليا. - أقام معارض كثيرة في لبنان والدول العربية والعالمية، وسُجّلت لوحاته في أربع موسوعات عالميّة للفنون. - نال جوائز عالمية، وأعماله مقتناة في بيوت فنية: أميركا - إسبانيا - النمسا - كندا - فرنسا - إيطاليا - ألمانيا. - درّسَ طويلًا في "الجامعة اللبنانية"، وكان مديرًا لـ "معهد الفنون" في "الجامعة اللبنانية". |



