فيليب عادل حنين

عام جديد ولا جديد إلا القديم… لعبة شراء الوقت

4 دقائق للقراءة

كيف صادرت المنظومة الاستحقاق وحوّلته إلى تعطيل دائم؟

١) لبنان يدخل سنة أخرى واقفاً عند باب الاستحقاق عاجزاً عن العبور. ليس لأن الطريق مجهول، بل لأن القرار ممنوع. مهلة لنزع سلاح حزب الله وُضعت، فيما الدولة تتصرّف وكأن الوقت قابل للتمديد بلا نهاية. السؤال لم يعد تقنياِ ولا إجرائياً، بل سؤال دولة: من يتحمّل المسؤولية؟ رئيس الجمهورية؟ الحكومة؟ الجيش؟ حزب الله؟ أم منظومة سياسية كاملة تتقاسم النفوذ وتتهرّب من القرار؟

٢) الجواب واضح مهما جرى الالتفاف عليه. المسؤولية موزّعة، لكن الذنب واحد. اسمه شراء الوقت. هذه ليست أزمة إدارة بل أزمة إرادة. عند كل استحقاق يُعاد السيناريو نفسه: لجنة تُشكَّل، لجنة تُوسَّع، وآلية تُنشأ للدراسة والبحث،، ثم لا قرار.

هكذا تحوّل لبنان إلى دولة تُدار باللجان، فيما دول الجوار تتخذ قرارات صعبة وتتحمّل كلفتها باسم مصالحها الوطنية.

٣) كل ملف كبير يُرحَّل، وكل مهلة تُفرَّغ من معناها. السلاح يُستخدم ذريعة لا مشكلة يُراد حلّها. وفي لبنان، تحوّلت السيادة من قرار يُنفَّذ إلى شعار يُستخدم لتبرير العجز وحماية النفوذ. سيادة بلا قرار تُجمِّد الدولة، لا تبنيها.

٤) نعم، هناك محاسبة في لبنان، لكنها محاسبة شكلية وانتقائية. تُدار لامتصاص الغضب لا لتغيير الواقع. تُقدَّم أسماء صغيرة، فيما من يجب أن يُحاسَب فعلياً هم قيادات أهل السلطة والنفوذ، من حكموا وغطّوا ونهبوا وعطّلوا وحموا بعضهم بعضاً. هؤلاء لا يخشون السلاح بقدر ما يخشون العدالة، ولا يخافون الفوضى بقدر ما يخافون دولة تُدار بالقانون لا بالتسويات.

٥) لفهم هذا العجز المزمن، لا بد من العودة إلى ما بعد الحرب. بعد اتفاق الطائف أنهى لبنان القتال من دون أن يُنهي منطق الحرب. صدر عفو عام بلا محاسبة ولا قطيعة سياسية، فتحوّل قادة الميليشيات إلى "رجال دولة". الطائف أوقف الحرب لكنه شرّع أهلها، ولذلك لم ينتقل لبنان يوماً من مرحلة النزاع إلى مرحلة الدولة. هذه الطبقة يحكمها اليوم الخوف. من دولة تُحاسب، ومن نظام يكشف أدوار الماضي وتحالفات الحاضر.

٦) في المقابل، أتقن كثيرون لعبة أخطر، وهي تسويق الخوف من مرحلة "ما بعد حزب الله" لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية. يُقال للناس ان أي تغيير مغامرة، وان المجهول أخطر من الواقع القائم. يُستَخدم الجيش كفزّاعة انقسام وتُهندس تقارير الآليات بلغة تضخّم المخاطر وتخفّف القدرة، فيما يُدار الوقت بالكلمات بدل اتخاذ القرار.

٧) وفي موازاة ذلك يحاول كل طرف في المنظومة إقناع الخارج بأنه مفتاح الحل وضمان الاستقرار. لكن هذه اللعبة انكشفت. فيما تتصرّف الدول كدول تقرّر وتنفّذ وتتحمّل كلفة قراراتها، فلبنان لا يزال يُدار كملف داخل لجنة. المشكلة ليست في الحكومة بل في السلطة التي لا تملكها. وطالما القرار خارج السلطات الدستورية، تبقى الحكومة واجهة والدولة تُدار في مكان آخر.

نعم، هناك إطار دولي عبر الـ mechanism، لكنه إطار إدارة لا قرار، ومراقبة لا محاسبة، وتأجيل لا حسم، ولذلك لم يكسر حتى الآن حلقة شراء الوقت. والاتكال على تطوّرات خارجية بدل اتخاذ قرارٍ وطني كان دائماً لعنة السياسة اللبنانية، حيث تُستخدم "الخلافات" ذريعة لتعليق العمل الوطني، ويتقدّم الخطاب على بناء الدولة والسيادة.

لبنان لن يُنقَذ باللجان ولا بالخطابات ولا بالبيانات. ما نعيشه ليس عجزاً عابراً، بل نظام تعطيل متعمَّد. وكل عام يمرّ من دون قرار هو شراكة جديدة في انهيار الدولة. إمّا دولة بقرار واحد، وسلاح واحد، وقضاء واحد، وسيادة واحدة أو فوضى مقنّعة باسم التوازن و بلد مؤجَّل إلى أن يُقرَّر مصيره في مكان آخر من خارج مؤسساته.