في لحظة دقيقة من مسار الحرب، اختار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن يذهب أبعد من إدارة الجبهات، نحو إعادة صياغة بنية الحكومة والأجهزة الأمنية في كييف، فالتغييرات الواسعة التي طالت قيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية لا يمكن قراءتها كإجراءات إدارية أو تبديلات أشخاص، بل كجزء من انتقال أوكرانيا إلى مرحلة إدارة حرب طويلة الأمد بعقل الدولة لا بردّ الفعل.
أبرز هذه الخطوات تمثلت في تعيين كيريل بودانوف، رئيس الاستخبارات العسكرية، رئيسًا لمكتب رئاسة الجمهورية، وهو المعروف بقوة شخصيته وتحقيقه العديد من الإنجازات الهامة هلال فترة الحرب.
هذا المنصب، الذي يُعد القلب النابض للقرار السياسي، انتقل للمرة الأولى بتعيين بودانوف إلى يد شخصية أمنية استخباراتية خاضت الحرب ضد روسيا في الظل والعلن.
الرسالة واضحة: القرار السياسي في كييف بات يُصاغ مباشرة على ضوء المعطيات الاستخبارية والميدانية، لا عبر قنوات بيروقراطية تقليدية.
وبالتوازي، جرى تعيين أوليه إيفاشينكو، الرئيس السابق للاستخبارات الخارجية، رئيسًا جديدًا للاستخبارات العسكرية، بما يضمن استمرارية الأداء العملياتي للجهاز من دون فراغ أو اهتزاز. هذه الخطوة تؤكد أن ما يجري ليس تفكيكًا للمؤسسات، بل إعادة توزيع محسوبة للأدوار داخل منظومة أمنية باتت تُدار كجسم واحد.
وفي إطار إعادة ترتيب مفاصل الدولة في زمن الحرب، شملت التغييرات أيضًا وزارة الدفاع، حيث أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي تسمية وزير دفاع جديد في خطوة تعكس تحوّلًا في مقاربة إدارة المؤسسة العسكرية. بالتوازي، جرى نقل دينيس شميهال من وزارة الدفاع إلى وزارة الطاقة، في قرار يحمل دلالات استراتيجية واضحة. فملف الطاقة بات اليوم جبهة حرب بحد ذاته، بعد أن تحوّل إلى أحد الأهداف الرئيسية للهجمات الروسية، سواء عبر ضرب محطات الكهرباء أو البنية التحتية الحيوية. نقل شميهال إلى هذا الموقع يشير إلى إدراك القيادة الأوكرانية أن حماية قطاع الطاقة، وإدارته في ظل الاستهداف المتكرر، لا تقل أهمية عن إدارة الجبهات العسكرية.
ويحل وزير الدفاع الجديد، ميخايلو فيدوروف مكان دينيس شميهال، وهو يُعد من الجيل الشاب داخل القيادة الأوكرانية، ما يعكس توجّهًا واضحًا لدى الرئيس فولوديمير زيلينسكي لكسر النموذج التقليدي لإدارة وزارة الدفاع. فيدوروف، الذي برز سابقًا في قيادة التحول الرقمي وتطوير برامج الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية الذكية، يأتي إلى وزارة الدفاع بعقلية مختلفة، تراهن على التكنولوجيا، الابتكار، والحرب غير المتكافئة بدل الاعتماد على التفوق العددي. اختيار شخصية شابة لهذا المنصب في قلب الحرب لا يحمل بعدًا رمزيًا فحسب، بل يؤكد أن كييف تنقل معركتها إلى مستوى جديد، حيث تُدار الجبهات بالعقل الرقمي والتفوق الاستخباري، في مواجهة جيش روسي أكبر عددًا لكنه مثقل بعقليات تقليدية وخسائر استراتيجية متراكمة.
التغييرات طالت أيضًا جهاز حرس الحدود، أحد أعمدة الأمن الأوكراني منذ اندلاع الحرب. فبعد أكثر من ست سنوات في المنصب، تقرر استبدال رئيس الجهاز، مع إبقائه ضمن منظومة وزارة الداخلية، في إشارة إلى رغبة زيلينسكي بضخ دم جديد في مواقع حساسة، من دون إحداث صدمات داخلية. الحدود، في هذه الحرب، لم تعد مجرد خطوط جغرافية، بل ساحات مواجهة مع التهريب، التسلل، والحرب الهجينة الروسية.
وفي موازاة ذلك، يتصاعد الحديث داخل كييف عن مراجعة شاملة لدور جهاز الأمن الأوكراني (SBU)، وسط توقعات بإمكانية إجراء تغيير في قيادته. ورغم غياب إعلان رسمي حتى الآن، فإن إدراج الجهاز ضمن دائرة التقييم يعكس توجّهًا واضحًا نحو تشديد القبضة على ملف مكافحة التجسس والاختراقات الروسية في العمق الأوكراني.
كل هذه التحولات الداخلية لا تنفصل عن واقع الحرب على الأرض، حيث تتضح معالم هزيمة روسية استراتيجية، وإن لم تُعلن رسميًا بعد. فبحسب التقديرات الأوكرانية والغربية، تكبّد الجيش الروسي خلال عام 2025 وحده أكثر من 450 ألف جندي قتيل، عدا عن أعداد هائلة من الجرحى والمصابين. هذا النزيف البشري غير المسبوق وضع موسكو أمام واحدة من أكثر الحروب كلفة في تاريخها الحديث.
ورغم هذه الخسائر الضخمة، لم تتمكن روسيا خلال العام نفسه من التقدم بأكثر من نحو 1% من الأراضي الأوكرانية. مكاسب هامشية، مدمّرة، وبلا قيمة استراتيجية، تحوّلت إلى عبء لوجستي وعسكري بدل أن تكون ورقة تفاوض أو انتصار ميداني. الفجوة بين حجم الخسائر وضآلة التقدم تكشف بوضوح أن ما تواجهه روسيا ليس تعثرًا مؤقتًا، بل فشلًا بنيويًا في تحقيق أهداف الحرب.
في المقابل، انتقلت أوكرانيا من موقع الدفاع إلى فرض معادلة جديدة، عبر الاستهداف اليومي المنهجي للعمق الروسي. خلال الأشهر الأخيرة، كثّفت كييف ضرباتها على محطات الطاقة، مصافي النفط، ومستودعات الوقود داخل الأراضي الروسية، في استراتيجية تهدف إلى ضرب شرايين الاقتصاد الحربي وتقويض القدرة على تمويل واستمرار العمليات العسكرية. الحرب، بهذا المعنى، لم تعد محصورة داخل أوكرانيا، بل باتت تُدار داخل روسيا نفسها.
هذا التحول النوعي في ميزان المبادرة يفسّر جزئيًا التصعيد الروسي العنيف ضد المدنيين. فبالتزامن مع إعلان زيلينسكي عن إعادة هيكلة البنية التحتية للحكومة والأجهزة الأمنية، شنّت موسكو هجمات جوية كثيفة على مدينة خاركوف، مستهدفة أحياء سكنية وبنى تحتية مدنية بالصواريخ والطائرات المسيّرة. قصف يحمل طابعًا انتقاميًا أكثر منه عسكريًا، في محاولة للضغط على الجبهة الداخلية الأوكرانية بعد فشل تحقيق اختراق حاسم على الجبهات.
بين إعادة بناء الدولة من الداخل، وتكريس التفوق الاستخباري، ونقل الحرب إلى العمق الروسي، تبدو أوكرانيا وقد انتقلت إلى مرحلة جديدة من الصراع. مرحلة تُدار فيها الحرب كصراع استنزاف طويل، تُراكم فيه موسكو الخسائر، فيما تعزّز كييف شروط الصمود والهجوم معًا.
وفي هذا السياق، لم تعد المسألة متى ستنتهي الحرب، بل بأي شكل ستُسجَّل في التاريخ: كحرب أخفقت فيها روسيا استراتيجيًا، ونجحت فيها أوكرانيا بإعادة تعريف معنى الصمود والنصر.