جويل غسطين

مونودراما نفسية جريئة

"الحبل": رحلة امرأة خارج قبضة أُمّ نرجسيّة ونظام عائلي

7 دقائق للقراءة

تطلّ الممثلة آن ماري سلامة في عمل مسرحيّ جديد من كتابتها، عنوانه: "الحبل"، بدأ عرضه مساء الإثنين ويستمرّ حتى مساء غدٍ الجمعة. العرض مونودراما نفسية جريئة، تتناول رحلة امرأة تشق طريقها خارج قبضة أُمّ نرجسيّة ونظام عائلي قائم على القمع والإنكار. العمل لا يكتفي بسرد حكاية شخصية، بل يغوص في عمق الذاكرة المكبوتة قسرًا، حيث يتحوّل الجسد إلى جهاز إنذار يستدعي التذكّر والفهم، ويفتح الباب أمام مواجهة مؤلمة مع الماضي.

من خلال المسار الدرامي للعرض المسرحيّ "الحبل"، تكشف آن ماري سلامة عن تداخل صوت الطفلة المجروحة مع حضور المرأة المتمرّدة، في مساحة تتأرجح بين الانفصال والوعي، وبين الطاعة والتمرّد، على ما تقول كاتبة العمل ومؤدّيته لـ "نداء الوطن"، مضيفةً أن مسرحيّتها تكشف كيف يُصنع السجن النفسي باسم الحب المشروط والتربية القهرية، وكيف يبدأ التحرّر الحقيقي بقطع "حبل السرّة الداخلي"، في دلالة رمزية على الانفصال عن أنماط التسلّط العاطفي المتوارثة.


عنوان غير اعتباطي

اختيار "الحبل" عنوانًا للعرض المسرحيّ لم يكن اعتباطيًا، بحسب سلامة، بل يشمل كلمتَين تُكتبان بالأحرف نفسها مع اختلاف التشكيل (الحَبْل والحَبَل). بالتالي هو يحمل دلالات تتكشف تدريجيًّا أمام المُشاهد خلال العرض. فالعنوان متصل مباشرة بالمضمون وبالقضية النفسية التي تعالجها المسرحية، ويشكّل أحد مفاتيح القراءة الأساسية لتجربة المُشاهدة.


شراكة مسرحيّة نفسيّة

وانطلاقًا من الطبيعة النفسية الخالصة للنص، كان تعاون الكاتبة مع طبيب مختص في العلاج النفسي عنصرًا أساسيًّا في بناء العمل. ترى سلامة أن الاستشارة النفسية ضرورة في كتاباتها كما في أدوارها التمثيلية، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بحبكة دراميّة تصاعديّة تتناول آليات دفاعيّة معقدة ومواقف إنسانيّة دقيقة. وفي هذا السياق، تعرب عن امتنانها للدكتور روجيه بخعازي الذي واكب المشروع علميًّا وإنسانيًّا، ورَفدَ النص بأمثلة مدعّمة بالبراهين، ما أضفى عليه صدقيّة وعمقًا إضافيَّين.

تؤكد سلامة أن "الحبل" عمل موجّه إلى جميع الناس، لأنه يلامس رحلة الإنسان من الطفولة إلى النضج. ليس هدفه تقديم أجوبة جاهزة، بل دفع المُشاهد إلى الخروج من العرض متسائلًا ومعيدًا النظر في علاقته بنفسه ومحيطه. أما الرسالة التي تختصر هذا العمل، فتأتي بسيطة في ظاهرها وعميقة في معناها: "ليس كل ما يلمع ذهبًا".


تعاون أكاديميّ فمهنيّ

نسأل الممثلة والكاتبة آن ماري سلامة عن تعاونها مع المخرج هشام زين الدين، فتخبرنا أنّ العلاقة بينهما بدأت في الإطار الأكاديمي، إذ يشرف على أطروحة الدكتوراه التي تعدّها في "الجامعة اللبنانية". وقد تطوّر هذا التعاون إلى شراكة فنية، بعدما وجد زين الدين في نص سلامة مادة إنسانيّة غنيّة، مقتبَسة من سِيَر ذاتية لمشاهير عالميين تكشف واقعًا نفسيًّا غالبًا ما يبقى مخفيًّا خلف الواجهات الاجتماعية.


تجربة دقيقة

في "الحبل"، يخوض المخرج والمؤلِّف المسرحيّ الدكتور هشام زين الدين تجربة إنسانية ونفسية دقيقة. وفي حديث لـ "نداء الوطن" يشير إلى أن ما جذبه في النص هو قدرته على استفزاز الخيال الإخراجيّ، لِما يحمله من تعقيد نفسي وسرديّ يتطلّب دقة عالية في التعبير البصريّ والحَرَكي. وقد شكّلت الطبيعة النفسية للمونودراما، تحدّيًا إخراجيًّا خاصًّا لزين الدين، ما دفعه للاقتراب من علم النفس والتعاون الوثيق مع الطبيب النفسي الدكتور روجيه بخعازي، لضمان دقة المحتوى وتحويلِه إلى فعل مسرحيّ حيّ من دون الوقوع في المباشرة أو التلقين.

على مستوى الأداء، يشكّل تعاون زين الدين مع سلامة محطة أساسية في هذا العمل، إذ يصفها الأول بالممثلة المتمكنة القادرة على خوض التجارب الصعبة بإصرار وحساسية عالية، خاصة في عمل يتطلّب جهدًا نفسيًا وأدائيًا مكثفًا، ما أسهم في إنجاز عرض متماسك يحمل بُعدًا إنسانيًا وجماليًا واضحًا.


المشهديّة الفنيّة الثقافيّة

على صعيد آخر، يرى الدكتور هشام زين الدين أن المشهد الثقافي والمسرحي في لبنان يعيش اليوم حالة حيوية لافتة، بعكس كل التوقعات. فالعروض المسرحية تتكاثر، والمسارح تشهد حضورًا كثيفًا، ما يؤكّد حاجة الجمهور اللبناني إلى المسرح كمساحة يومية للتعبير عن همومه وأسئلته. ويشير إلى أن هذا الحراك لا يقتصر على المحترفين فحسب، بل تشكّل "الجامعة اللبنانية"، بأساتذتها وطلّابها، ركيزة أساسية في تنشيط الحياة المسرحية.

وعلى الرغم من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة، يعتبر زين الدين أن انعكاسها على المسرح كان إيجابيًا، إذ أعادت كثيرًا من ممثلي التلفزيون والسينما إلى الخشبة. عودة وصفها المخرج والأستاذ الجامعي بالصحيّة للفنان والحركة المسرحية معًا. أما على مستوى الدعم الرسمي، فيؤكد زين الدين أنّ الدولة اللبنانية كانت تاريخيًا غائبة عن دعم المسرح، ما جعل هذا الفن قائمًا على المبادرات الفردية، مع التشديد على الحاجة الملحّة إلى تغيير هذه النظرة وإنشاء مسرح وطني لبناني.

وفي ما يتعلّق بالجمهور الشاب، يرى زين الدين أن المسرح اللبناني بات قريبًا منه أصلًا، بفضل تنوّع عروضه وأشكاله التعبيرية، وهو تنوّع يميّزه عن معظم التجارب المسرحيّة العربية. لكن رغم المكانة المتقدّمة للمسرح اللبناني عربيًا، يبقى غياب الدعم المؤسّسي عائقًا أمام مشاركته الخارجية، بحسب زين الدين الذي يختصر تجربته الطويلة بالقول "إن المسرح ضرورة إنسانية واجتماعية لا يمكن لأيّ تطوّر تكنولوجي أن يلغيها".

أخيرًا، يرى زين الدين أن عرض "الحبل" يشكّل محطّة مهمّة في مسيرته، لِما يحمله من تحدّيات إنسانية ونفسية وإخراجية غير مسبوقة. كما أنه أثر بعمق في وعيه الفني ووسّع أدواته التعبيرية.


* مسرحيّة "الحبل"- كتابة وتمثيل آن ماري سلامة، إخراج هشام زين الدين. على "مسرح المونو" - قاعة "ACT"، حتى 9 كانون الثاني الجاري، الساعة 7:00 مساءً. 


مسار لم ينقطع

نسأل آن ماري سلامة عن عودتها إلى الساحة الفنية، فتؤكد أنها لم تغب يومًا، بل واصلت عملها خارج لبنان في مشاريع مسرحيّة وتلفزيونيّة وسينمائيّة، أدّت فيها أدوارًا صعبة بِلغات ولهجات متعدّدة. وترى أن جرأتها في طرح المواضيع المسكوت عنها، فرضت عليها التكتم أحيانًا، إلا أنها تؤمن أن الفنان الحقيقي لا يبحث عن ذرائع، بل يوظف خبرته المتراكمة في أعمال تتسم بالصّدق والتحدي.


ملصق المسرحية



المخرج هشام زين الدين


  


الأعمال السابقة لزين الدين

التوقف عند المسار المسرحيّ للدكتور هشام زين الدين، يُظهر بوضوح تطوّر لغته الإخراجية والفكريّة بوصفه نتاج تراكم التجارب والانفتاح الدائم على مغامرات جديدة. بالنسبة إليه، كل عمل مسرحي هو مساحة تعلّم واختبار، ولا يتحقق النضج الفني إلا بمرور الزمن وتعدّد التجارب. أما بشأن عناوين أعماله السابقة، مثل "تفل القهوة، و "العبابيد" و "درس عمومي"، فيؤكد زين الدين أن العنوان بالنسبة إليه، ينبغي أن يختصر روح العمل من دون أن يفضح تفاصيله، فيحافظ على عنصر الغموض الذي يدفع الجمهور إلى الاكتشاف. ولا يُخفي زين الدين أن بعض أعماله فُهم خارج السياق الذي قصده، كمسرحيّة "درس عمومي" التي تناولت التطرّف الديني باللغة العربية الفصحى، لكنها لم تلقَ قبولًا واسعًا لدى الجمهور اللبناني. هذه التجربة يصفها بالدرس المهمّ حول ضرورة مراعاة خصوصية الجمهور وانتظاراته. أما مسرحيّة "كوميديا العبابيد" فما زالت صالحة للعرض اليوم، على ما يقول زين الدين، لِما حققته من توازن ناجح بين الطرح الجدي والشكل الكوميدي، معتبرًا أن هذه الخلطة هي الأقرب إلى روح المسرح اللبناني وتاريخه.