استمرّت الانتفاضة الشعبية التي تعم المدن الإيرانية في أنحاء البلاد لليوم الثامن تواليًا أمس، حيث تابع التجار في طهران وغيرها من المناطق إضرابهم، في ظل تكثيف النظام الظلامي من تكتيكاته القمعية في وجه المتظاهرين لخنق الانتفاضة الأكبر منذ ثورة "المرأة، الحياة، الحرّية" عام 2022، بينما كان المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي قد ذكر السبت أن السلطات ستجري حوارًا مع المحتجين، لكنه هدّد في الوقت عينه بأنه "يتعيّن وضع مثيري الشغب في مكانهم المناسب". وأعلنت خمس منظمات تمثل العمال والمتقاعدين في بيانات، تأييدها للاحتجاجات الشاملة، كما وصف "اتحاد العمال الحرّ" في إيران الاحتجاجات بأنها "ثورة" لن تتوقف عن الحركة والتقدم.
وأكد الاتحاد أن "هذه الانتفاضة، التي تشكل امتدادًا للانتفاضات السابقة التي قمعها النظام الإيراني بوحشية وحوّلها إلى مذابح دامية، تشكل فصلًا جديدًا من كفاح الشعب الإيراني، سعيًا إلى إنهاء الجحيم القائم وبناء مجتمع ديمقراطي حرّ مزدهر، يتسم بالعدالة وينأى بنفسه عن كل أشكال التمييز والقهر والاستغلال"، في حين أفادت منظمة "هنجاو" الكردية لحقوق الإنسان بأن 17 شخصًا على الأقل قتلوا منذ بدء الاحتجاجات. بالتوازي، ذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان "هرانا" أن 16 شخصًا على الأقل قتلوا واعتقل 582 آخرون، مشيرة إلى أن التظاهرات وصلت إلى أكثر من 170 موقعًا في 25 من أصل 31 محافظة إيرانية.
وتحدّث موقع "إيران إنترناشيونال" المعارض عن مقتل خمسة إيرانيين وإصابة نحو 30 آخرين برصاص قوات الأمن، إثر الاحتجاجات الشعبية الواسعة في مدينة ملكشاهي التابعة لمحافظة إيلام في غرب إيران السبت. وأظهر فيديو هتافات أطلقها أهالي مدينة ملكشاهي خلال مراسم تشييع ثلاثة من المتظاهرين الذين قُتلوا في المدينة، مرددين شعار "سأقتل، سأقتل، من قتل أخي". وأشارت تقارير إلى أن أعنف اشتباكات خلال الاحتجاجات وقعت في مناطق في غرب إيران، كما شهدت العاصمة ومناطق في وسط البلاد وإقليم سيستان وبلوشستان في جنوب شرق البلاد احتجاجات واشتباكات بين متظاهرين والشرطة.
وأفاد قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان بأن قوات الأمن سعت إلى إلقاء القبض على قادة الاحتجاجات خلال يومي الجمعة والسبت الماضيين، لافتًا إلى أنه "جرى القبض على عدد كبير من مديري صفحات على الإنترنت". وأكدت الشرطة إلقاء القبض على 40 شخصًا في طهران فقط بتهمة الترويج "لمنشورات كاذبة" عن الاحتجاجات بهدف إثارة الرأي العام. وأفاد محافظ قم بأن شخصين قتلا في الاضطرابات مساء السبت، مدعيًا أن أحدهما لقي حتفه إثر انفجار عبوة ناسفة كان يحملها قبل الوصول بها إلى هدفه.
وبعدما حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، النظام الإيراني، من قمع المتظاهرين، متوعدًا بـ "إنقاذ" الشعب الإيراني في حال حصول ذلك، جرى نصب جدارية جديدة في "ميدان فلسطين" في طهران، تحمل تهديدًا بقتل الجنود الأميركيين والإسرائيليين، إذ تظهر عددًا من توابيت الجنود الأميركيين والإسرائيليين، وعليها كتابات باللغتين العبرية والإنكليزية تقول: "انتبهوا لجنودكم"، بعدما كان بعض مسؤولي النظام الإيراني قد هدّدوا بالهجوم على مصالح وقواعد وجنود أميركا في المنطقة في حال تحركت واشنطن ضدّ طهران.
توازيًا، توجه ولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي من منفاه إلى الشعب الإيراني بالقول: "يا أبناء وطني الأعزاء، أبعث بتحياتي إلى كل واحد وواحدة منكم ممّن تحلّوا بالشجاعة خلال الأسبوع الماضي، والذين أبقوا خامنئي ونظامه مستيقظين طوال الليل خوفًا، وأود أن أوجّه تحية خاصة إلى شبابنا الوطنيين"، لافتًا إلى أنه "كما قلت سابقًا، من الضروري الحفاظ على وجودكم في الشوارع والسيطرة عليها، وإنشاء حواجز طرق لمنع وعرقلة قمع النظام". ودعا المتظاهرين إلى الحفاظ "على انضباطكم وتضامنكم"، حاسمًا أن "النصر لكم".
كرديًا، أعلن حزب "كومله" في كردستان إيران دعمه الكامل للانتفاضة الشاملة التي يقودها الشعب الإيراني، مدينًا بشدة قمع المتظاهرين، وداعيًا مختلف شرائح المجتمع إلى توسيع الإضرابات والانخراط في الاحتجاجات الميدانية لتعزيز زخم الحركة. ورأى أن النظام الإيراني فقد شرعيته، ويواجه احتجاجات داخلية واسعة توازيًا مع ضغوط دولية متزايدة وعزلة عالمية متفاقمة، مؤكدًا أن شريحة واسعة من المجتمع باتت مقتنعة بأن "تفكيك بنية النظام السياسي" هو الحل الوحيد. وحسم أن المجتمع الكردي مستعدّ للانخراط مجددًا في الانتفاضة الشاملة والاضطلاع بدور ريادي ومؤثر، مشددًا على أن الانتفاضة الحالية لا تقتصر على الاحتجاج على الفقر والفساد، بل تعبر عن إرادة الشعب الإيراني في بناء نظام ديمقراطي علماني تعددي يضمن حقوق كافة القوميات والأديان والجنسين.
في الغضون، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع لحكومته أمس أنه "نتبنى نضال الشعب الإيراني وتطلّعاته إلى الحرّية والكرامة والعدالة، ومن الممكن جدًا أننا نقف في لحظة يأخذ فيها الشعب الإيراني مصيره بيده".