"العار كل العار لمن يخضع للوصاية الأميركية ويكون تابعًا لها. العار كل العار لمن يروّج لحق إسرائيل بالاحتلال ويبرّر ذرائعها ولا يطالب بانسحابها ولا يضغط لوقف عدوانها. إننا، كحزب الله، نريد لبنان سيدًا حرًا مستقلًا وقادرًا. نريده سيدًا ببسط سيادته على كامل الأراضي اللبنانية وخصوصًا على أرض الجنوب. نريده حرًا في خيارات أبنائه الثقافية والسياسية والاجتماعية من دون تدخل من أحد. نريده مستقلًا لا يخضع لأي وصايات أجنبية أو عربية. نريده قادرًا ببنية إدارية وبنية حكم ومؤسسات قوية ومتماسكة وجيش قوي…" هذا بعض ما أتى في كلمة الشيخ نعيم قاسم منذ يومين!
لم يكن مستغربًا أن يكرّر الأمين العام لحزب الله إصراره على سرديّة "سيادية" تناقض، في الجوهر والممارسة، مسيرة حزبه المرتبطة عضويًا بالجمهورية الإسلامية في إيران، من التمويل إلى التسليح، ومن القرار السياسي إلى منظومة العيش والاقتصاد.
كما لم يكن مستغربًا انفصال أمين عام الحزب الدائم عن واقع المنطقة ووقائع الميادين، من غزة إلى البحر الكاريبي، مرورًا بسقوط محور، وإضعاف وانهيار أنظمة داعمة وملاذات آمنة كانت تشكّل مصادر تمويل وتبييض أموال عبر كارتيلات المخدرات والسلاح وشبكات التهريب والتزوير. ويأتي توقيف نيكولاس مادورو الذي تجاهله قاسم عمدًا في خطابه ليشكّل ضربة إضافية في مسار تجفيف منابع غسيل أموال الحزب، ووقف الغطاء الذي أمّنته الجوازات الفنزويلية لعناصر ومسؤولي الحرس الثوري وأذرعه في المنطقة والعالم، ومنها حزب بات يفقد تباعًا مقوّمات قوته وقدرته وهيبته، عسكريًا وماليًا وسياسيًا.
غير أنّ المستغرب حقًا في كلام قاسم هو حديثه عن "بسط السيادة على كامل الأراضي اللبنانية وخصوصًا على أرض الجنوب"، وعن "حرية خيارات اللبنانيين الثقافية والسياسية والاجتماعية"، وعن "عدم الخضوع لوصايات أجنبية أو عربية"، وصولًا إلى الدعوة إلى "مؤسسات قوية ومتماسكة وجيش قوي". فحين يناشد قاسم بتسليح الجيش ليتمكن من مواجهة "الأعداء"، فإن في ذلك إدانةً مباشرة لحزبه، الذي لطالما اعتبر ولا يزال أن سلاحه وحده كافٍ للردع والحماية والدفاع. هذا التناقض لا يفضي إلا إلى نتيجة واحدة: الطريق الوحيد المتبقي هو تسليم السلاح وإنهاء الوضعية الأمنية والعسكرية للحزب، بعدما ثبت قصورها عن الردع والحماية والدفاع.
وكأننا أمام بيان مكرّر لقوى سيادية معارضة للحزب وسلاحه. والمفارقة أن المطالبة ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية هي بالضبط ما تنص عليه الدساتير والقوانين والقرارات الدولية، واتفاق وقف إطلاق النار، والبيان الوزاري، عبر القوى الشرعية الرسمية وحدها: الجيش اللبناني، قوى الأمن الداخلي، الأجهزة الأمنية الرسمية، الجمارك، والشرطة البلدية.
أما في ما يتعلّق ب "حرية أبناء لبنان في خياراتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية"، فيسقط الحزب وشرعيته في فرض نموذج مدارس المهدي ومناهجها الأيديولوجية، كما تسقط عنه مشروعية حصر لبنان خارجيًا بمحور ممانع بائد ومعادٍ للغرب وللدول الخليجية، فضلًا عن مشروعه الشمولي المعلن بجعل لبنان جمهورية إسلامية ملحقة بجمهورية ولاية الفقيه في إيران.
وفي مسألة "الوصايات"، فإن العار وفق المنطق نفسه يقع على من احتمى لعقود بتفاهمات ووصايات سورية – إيرانية، أبقت ميليشيا حزبه بمنأى عن الحل وبمعزل عن اتفاق الطائف، الذي نصّ صراحة على تسليم السلاح ابتداءً من آذار 1991. كما يقع العار على من ينتظر القرار والبازار الإيراني لبيع ما تبقى من سلاح الحزب على طاولات الصفقات، بعد أن سقطت آخر ورقة تين تستر عري المشروع.
وقد يتساءل البعض: لماذا لم يأتِ قاسم على ذكر نيكولاس مادورو، بعد ساعات على اقتحام قوات الدلتا الأميركية غرفة نومه في كراكاس واقتياده مع زوجته إلى نيويورك؟ ومع أنّ هذا التجاهل ليس مستغربًا، في ظل خطابات باتت تُسجَّل سلفًا بعد انتصاري "الإسناد وأولي البأس"، إلا أن "مخرج الخطاب" كان يستطيع لو أراد إدخال تعديل بسيط يليق بتكريم آخر سند مالي ولوجستي للمحور، ويتماهى مع بيان الحزب الذي سبق خطاب أمينه العام. بيانٌ هاجم الولايات المتحدة بالمفردات والمصطلحات والحجج نفسها التي تُدين إيران وأذرعها وحزبها في لبنان، بانتهاك سيادة الدول، وعدم احترام الديمقراطية وإرادة الشعوب، وقمع الحريات العامة، والبطش بالمعارضين وتصفيتهم.