بشارة جرجس

الفراغ الاستراتيجي: محور بلا عصب... بلا مال... بلا ردع

4 دقائق للقراءة

في الثالث من كانون الثاني 2020، لم يكن اغتيال قاسم سليماني مجرّد ضربة عسكرية دقيقة، بل لحظة كسرٍ بنيوي أصابت العصب المركزي لمنظومة إقليمية بُنيت على فائض الوهم أكثر مما بُنيت على الاستدامة. يومها بدا أن شيئاً ما انتهى، لكن الجسد واصل الحركة: صواريخ، خطابات، وشبكات مالية. غير أن ما تلا لم يكن سوى زمنٍ مؤجَّل.

جاءت لحظة "طوفان الأقصى" في خريف 2023 كاختيار فاصل، فأظهرت أن ما بدا صلباً لم يكن سوى تماسك شكلي. منذ تلك اللحظة، بدأ الانهيار يتكشّف تباعاً، إلى أن وصلنا مطلع 2026 إلى مشهد لا لبس فيه: تفكّك شامل لمحور قام على فائض القوة الخطابية، لا على منطق الردع أو توازنات القوة. فالمنظومة التي بناها سليماني في الشرق والغرب، بمؤازرة حسن نصرالله وسائر أركان محور الممانعة، حافظت بعد اغتياله على تماسك وظيفي لا بنيوي. غير أن اختبار 2023 فتح سلسلة انهيارات متتابعة بلا قدرة على الترميم أو إعادة الضبط. ومع تآكل ركائزها الإقليمية، بات نظام الثورة الإسلامية في إيران على مشارف انهيار شامل، بعد سقوط امتداداته من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية، وتآكل شبكات الصمود الاقتصادي والاجتماعي في الداخل الإيراني نفسه. لم تعد المسألة إن كان سينهار، بل متى وكيف.

في هذا السياق، لم تكن فنزويلا حليفاً أيديولوجياً لطهران بقدر ما كانت رئة مالية سوداء، أمّنت السيولة لمنظومة تعيش خارج الاقتصاد الشرعي. العلاقة بين حزب الله ونظام نيكولاس مادورو تجاوزت السياسة إلى شراكة مصالح مافيوية، قوامها المخدرات وغسل الأموال والإكراه المنهجي، هدفها إبقاء مادورو في الحكم لضمان تدفّق أموال الكارتيلات إلى إيران وحزب الله. سقوط هذا النظام، وما يستتبعه من تفكيك تلك الشبكات، لن يقطع التمويل فحسب، بل سينزع عن حزب الله أحد أعمدة بقائه الاجتماعي والسياسي. فعندما ينقطع المال، تنكشف الولاءات وتتعرّى البيئات الحاضنة.

أما الادعاء بأن الولايات المتحدة أطاحت برئيسٍ شرعي منتخب في فنزويلا، فتدحضه الوقائع: مادورو لم يفز بانتخابات تموز 2024، بل صادرها. فالمعارضة، ممثّلة بإدموندو غونزاليس وماريا كورينا ماتشادو، حصدت تفويضاً انتخابياً واضحاً وكاسحاً. واستمرار مادورو في السلطة لا يستند إلى أي شرعية ديمقراطية، بل إلى إنكار صريح لإرادة الفنزويليين. ومن يروّج لعكس ذلك، من اليسار الممانع إلى المحور الإيراني وفلوله، بما فيهم حزب الله، لا يدافع عن السيادة الشعبية، بل عن انتخابات مزوّرة ومختطَفة.

رجوعاً إلى الصورة الأوسع: إن الضربة الجغرافية القاتلة، بعد سقوط نظام الأسد في نهاية 2024، لم تكن حدثاً سورياً داخلياً، بل زلزالاً إقليمياً كاملاً. الجسر البري الذي ربط طهران ببيروت انهار، ومعه وهم الهلال المتصل. فتحوّلت سوريا من عمقٍ استراتيجي إلى خاصرةٍ معادية، وانقلبت الجغرافيا من أداة توسّع إلى قيدٍ وجودي. وللمرة الأولى، وجد حزب الله نفسه محاصَراً بلا ممرات، ولا ساحات خلفية، ولا قدرة على التعويض.

تلا ذلك تحطيم بوليصة التأمين النووية. ففي صيف 2025، لم تُستهدف المنشآت فحسب، بل انهار مفهوم الردع نفسه، الذي طالما استندت إليه طهران وأذرعها. لم يكن الأهم حجم الدمار، بل الصمت الذي أعقبه: لم تشتعل المنطقة، ولم تتحرك "وحدة الساحات". عندها أدرك الجميع أن نظاماً يعجز عن حماية مشروعه النووي، لن يخوض حرباً كونية دفاعاً عن ضاحية بيروت.

كل هذه التحولات تُدار بإيقاع واضح من قبل الرئيس دونالد ترامب وفريقه السياسي. ويمكن التوقف هنا عند أسلوب هذه الإدارة، وفريقها الإعلامي، وفريق اتصالات البيت الأبيض في صياغة السياسة والخطاب العام: كسر القوالب الجامدة، إدخال الجرأة والفكاهة والاستفزاز إلى الرسائل الرسمية، بالتوازي مع تصعيد غير مسبوق في الحسم والتنفيذ. لم تُحتجز السياسة في دهاليز الإجراءات، بل سارت بسرعة، ووضوح، وإرادة فعل. وعلى النقيض، جسّدت الإدارات السابقة نموذجاً أنيقاً في اللغة، خجولاً في النتائج، مثقلاً بالرمزية، فقيراً بالأثر.

إن الجهة القادرة على استهداف النظام الإيراني وضرب نظام مادورو بلا عناء، لن تعجز بطبيعة الحال أمام فرقة الرضوان في الجنوب والبقاع. ولا يستوجب الأمر تدخلاً مباشراً؛ يكفي أن تُلزِّم إسرائيل بالمهمة، وتُدار القرارات الكبرى من الخلف بلا ضجيج. وبنيامين نتنياهو يتجه بوضوح نحو مرحلة عنوانها الحسم لا الاحتواء، وإنهاء المواجهة مع حماس وحزب الله في الاستحقاق المقبل، مهما بلغت الكلفة.

بالنسبة إلى حزب الله، لم يعد السؤال: كيف ننتصر؟ بل بات: كيف ننجو؟ وسبيل النجاة الوحيد المتاح يمرّ عبر التخلّي عن الأوهام، والتوقّف عن حالة الإنكار.