هذه صورة رسالة بعثها المفكّر والأديب اللبناني المعروف ميخائيل نعيمه من مقرّه في بسكنتا - لبنان إلى الطالب نبيل خليفه بتاريخ 17 شباط عام 1963، وكان الطالب خليفه يحضر رسالة للحصول على الإجازة في اللّغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية - معهد المعلمين العالي، وقد اختار موضوعًا لأطروحته: نسيب عريضه: حياته، شعره. وهو شاعرٌ مهجريٌّ معروف ومن أعضاء الرابطة القلميّة التي كان من أعضائها جبران خليل جبران. وقد تمَّ الإشراف على الأطروحة ومراجعتها من جانب أستاذيَّ في اللّغة العربية وآدابها في الجامعة الدكتورين جبّور عبد النور وأنطون غطّاس كرم وقد نلت الإجازة برتبة جيّد.
ليس المقصود من إيراد هذه الرسالة، وفي هذه المرحلة بالذات، التركيز على أمور شخصيّة خاصة بي، بل على أمور وقيم فكريّة عرفت بها شخصية ميخائيل نعيمه ونسيب عريضه في آن وهي قيم تعكسها هذه الرسالة في مجالات ثلاثة: الإنسانيّة والأخلاقيّة والأدبيّة.
أولًا: القيم الإنسانيّة
لقد كان من ضرورة عملي الأكاديميّ ككاتب يحلّل شخصية نسيب عريضه وشعره أن أتصل برفيقه وصديقه میخائیل نعیمه. وقد شجّعني المشرفان على الأطروحة الدكتوران عبد النور وكرم على الاهتمام بذلك، ففعلت وأرسلت كتابًا إلى الأديب نعيمة راجيًا أن أتمكن من لقائه لأطرح عليه بعض الأسئلة حول نسيب عريضه في حياته وأدبه وهو من أكثر الناس قربًا إليه، ومعرفته به في المهجر وعبر الرابطة القلميّة، وكان جوابه لي بهذه الرسالة التي أحتفظ بنسختها الأصلية بين أكثر النصوص أهميّة وإجلالًا عندي. ولذلك شئت أن أنشرها اليوم تقديرًا لصاحبها وما تمثله من قيم تغتني بها فلسفة الوجود. أول ملامح هذه القيم في شخصية نعيمه هي الإنسانيّة فهو إنسان متواضع ومحبّ ورجل يعمل في خدمة الإنسان والإنسانيّة، لذا نراه يجيب بجديّة وتواضع على طالب جامعي برسالة هي أشبه بتصميم علمي لا ينبغي أن يقوم به الطالب الذي لم يكن قد نال بعد درجة التفوّق بين خريجي الجامعة اللبنانية للعام 1963؛
ثانيًا: القيم الأخلاقيّة.
وأركّز في ذلك على حقيقتين اثنتين فقط: فهو يبدأ رسالته لي بتعبير "عزيزي السيد نبيل خليفه" ويختمها بتعبير، "المخلص ميخائيل نعيمه". إن تعبيري الإعزاز والإخلاص يعبّران عن بُعد أخلاقيّ يتحلّى به أديب الشخروب في بسكنتا وهذا البعد يرسم خطوط علاقته بالآخرين حتى ولو كانوا طلّابًا صغار السّن. إن احترام الآخر وتحديد موقفه تجاه الآخر احترامًا وإخلاصًا هما موقعان في ذروة الأخلاقية البشرية، إنهما علامة الكرامة الإنسانية التي لطالما اعتبرها البابا راتزنغر العلامة الأساسية للأخلاقية المسيحية.
«La dignité humaine est le Pivot de la morale chrétienne»
ثالثًا: القيم الأدبيّة.
اعتبر نعیمه نفسه أستاذًا جامعيًّا ومشرفًا لي على أطروحة "رفيقه وصديقه المرحوم نسيب عريضه"، وضع لي لائحة بسبع نقاط تساعدني على فهم نسيب عريضة: حياةً وشعرًا. أوّلها من مؤلفات عريضة، وثانيها ممّا كتبه نعيمه عنه، وثالثها عمّا ورد عنه في كتب النقد الأدبي العربي ككتاب الميزان الجديد لمحمد مندور. ورابعها إشعاري بإقامة مهرجان أدبيّ كبير في حمص عن نسيب عريضة لولبه الأديب نظير زيتون ونصحني أن أتصل به ففعلت وجاءني منه جواب مشجّع.
في خلاصة ما تقدّمه لنا هذه الرسالة أمران جوهریان:
الأوّل: إن ميخائيل نعيمة رجل أخلاق وأدب وإنسانيّة وهو لم يعط في لبنان حقه من التكريم والتقدير.
الثاني: إن مدينة حمص، وهي موضع ولادة نسيب عريضه كانت كما صوّرها نعيمه، في منتصف القرن العشرين مركزًا للفكر والشعر وللأسف تحوّلت إلى مركز للأحقاد والسلاح.
... وقى الله سوريا من كلّ شر.
وأعادها مركزًا للنهضة العربية.
3/1/2026
