عباس هدلا

هل يتحرك السيد السيستاني لحماية شيعة لبنان؟

5 دقائق للقراءة
صورة تجمع السيد السيستاني ورئيس مجلس النواب نبيه بري عام 2019

سرى حديث قبل أسابيع في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، عن تحرك للمرجع الديني الشيعي الأعلى في العالم، السيد علي السيستاني، بشأن الوضع في لبنان، وعن بعث السيد السيستاني رسالة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ركّز فيها على الوضع الحساس للطائفة الشيعية في لبنان، مشيرًا إلى أن الظروف الراهنة باتت "حرجة جداً" وتستدعي حماية عاجلة، والسيد السيستاني المرجع الأكثر تقليدًا عند الشيعة في العالم، له مقلدوه ومؤيدوه في لبنان ومكتب يقدم كافة الخدمات الثقافية والفكرية وحتى الاجتماعية للمقلدين وكافة أبناء الطائفة الشيعية، ومع احتدام معركة الإسناد بين إسرائيل و "حزب الله" على الأراضي اللبنانية، وتعرض الكثير من اللبنانيين ولا سيما الشيعة للتهجير والقتل والتدمير في معظم المناطق اللبنانية وخاصة في الجنوب والبقاع والضاحية، أصدر  السيستاني في 23 أيلول 2024 بيانًا عبّر فيه عن تضامن المرجعية الدينية العليا "مع أعزتها اللبنانيين الكرام ومواساتها لهم في معاناتهم الكبيرة، رافعة أكف الضراعة إلى الله العلي القدير أن يرعاهم ويحميهم ويدفع عنهم شر الأشرار وكيد الفجّار، وأن يشمل شهداءهم الأبرار بالرحمة والرضوان ويمن على الجرحى والمصابين بالشفاء العاجل. وإذ تطالب ببذل كل جهدٍ ممكن لوقف هذا العدوان الهمجي المستمر وحماية الشعب اللبناني من آثاره المدمرة، تدعو المؤمنين إلى القيام بما يساهم في تخفيف معاناتهم وتأمين احتياجاتهم الإنسانية".

بات تحرك المرجع الأعلى حاجة ماسة لحماية اللبنانيين الشيعة من مغامرات مشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية ومحاولة تخفيف التأثير الإيراني وبقائهم ورقة على طاولة المفاوضات الإيرانية الأميركية. فقد ازداد الدعم والتصريحات الإيرانية التي تؤكد ضرورة استمرار "حزب الله" في لبنان بقوته السياسية والعسكرية، وكان آخرها تصريح مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي من  أن "وجود "حزب الله" بات بالنسبة إلى لبنان أهمّ من الخبز والماء"، مضيفًا: "أن وجود "حزب الله" في لبنان لا غنى عنه لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية"، كما رأى ولايتي أن الخروقات الإسرائيلية المستمرة "أظهرت للجميع النتائج الكارثية لنزع سلاح حزب الله بالنسبة للبنان"، مؤكدا أن «إيران دعمت وستواصل دعم الحزب». 

ورغم عدم تأكيد أو نفي هذه الرسالة من قبل القيمين على مكاتب المرجع الأعلى، إلا أن السيد السيستاني معروف بمواقفه التي تؤكد دعم الدولة وحماية المواطنين ورفض كل أنواع التبعية للخارج وفرض الدول سيادتها على أراضيها وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، وليس آخرها موقفه في 4 تشرين الثاني 2024 خلال لقائه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الجديد لدى العراق، وقال فيه: "ينبغي للعراقيين - ولا سيما النخب الواعية - أن يأخذوا العِبر من التجارب التي مرّوا بها ويبذلوا قصارى جهدهم في تجاوز اخفاقاتها ويعملوا بجدّ في سبيل تحقيق مستقبل أفضل لبلدهم ينعم فيه الجميع بالأمن والاستقرار والرقي والازدهار". وأكد أن ذلك "لا يتسنى من دون إعداد خطط علمية وعملية لإدارة البلد اعتمادًا على مبدأ الكفاءة والنزاهة في تسلم مواقع المسؤولية، ومنع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها، وتحكيم سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد على جميع المستويات".

من هنا ، أضحى قيام مبادرة للمرجعية العليا أمرًا لا بد منه في سبيل حماية اللبنانيين الشيعة واحتضانهم وتغليب مصلحتهم على أي مصلحة، ومساندة الدولة اللبنانية ودعمها في مختلف القرارت والإجراءات التي تخدم مصلحة اللبنانيين الشيعة، وتتناسب مع رؤية ونهج وتوجهات المرجعية، ولا سيما في ما يتعلق بمنع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها، وتحكيم سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد على جميع المستويات، وهي أمور أضحت ملحة وأساسية على صعيد الواقع اللبناني بشكل عام والشيعي بشكل خاص.

ضمن هذا الإطار، يؤكد المنسق العام للقاء اللبنانيين الشيعية السيد محمد علي الأمين أن الرسالة المنسوبة إلى المرجعية تتحدّث عن "وضعٍ حرج" للطائفة وضرورة الحماية، لكن ما ورد في بعض الصحف ووسائل الإعلام ليس تصريحًا مباشرًا ولا صادرًا عن المرجع أو وكلائه، لا في العراق ولا في لبنان. ولذلك، فإن الكلمة الفصل يجب أن تكون من المرجعية نفسها، بفتوى واضحة وبيان صريح لا يحتمل التأويل. وأضاف أن المطلوب اليوم من المرجعية أن تقول لأتباعها ومقلديها بلزوم الرجوع إلى الدولة اللبنانية والأخذ بقراراتها الداعية إلى تسليم السلاح كاملًا للدولة اللبنانية، لأن الدولة وحدها هي صاحبة القرار والشرعية، وهي الضامن الوحيد لأمن الناس وحقوقهم. كما أن على الأحزاب والجماعات الشيعية في لبنان أن تلتزم بهذا المبدأ، وألّا تتجاوز الدولة أو تتقدم عليها في قرار الحرب والسلم. فالأزمة التي يعيشها لبنان اليوم ليست قدرًا، بل هي نتيجة الخروج على الدولة وامتلاك السلاح خارج مؤسّساتها. وختم: "إن موقفًا واحدًا مباشرًا من المرجعية الشيعية يرفع الالتباس الحاصل حول صدور الرسالة وعدمها وينقذ لبنان والطائفة الشيعية من تجدد الحرب، وهذا الموقف الصريح على تقدير صدوره هو الذي يبرئ ذمة المرجعية وهو كفيل بتوضيح الطريق الذي يجب سلوكه على أتباعها ومقلديها، والذي فيه نجاتهم ونجاة وطنهم من مزيد المصائب والويلات".