باريس
انطلقت في باريس جولة جديدة من المحادثات بين سوريا وإسرائيل على مدى يومين، بوساطة الولايات المتحدة، في محاولة لإعادة ضبط الوضع الأمني على الحدود بعد أسابيع من التصعيد والتوتر. الجولة الحالية، وهي الخامسة من نوعها، جاءت بعد توقف دام قرابة شهرين، وفي ظل ضغط أميركي مباشر لإعادة فتح القناة الأمنية بين الطرفين، في وقت تؤكد فيه جميع المؤشرات أن سقف التوقعات لا يتجاوز احتواء المخاطر ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
التحرك الأميركي، يندرج في إطار مقاربة براغماتية تهدف إلى خفض التوتر لا إلى إطلاق مسار سياسي شامل. واشنطن تتعامل مع هذه المحادثات باعتبارها أداة لإدارة أزمة قائمة، ولإرساء تفاهمات أمنية في مرحلة أولى تطمئن الطرفين، وهو ما يفسر غياب أي حديث رسمي عن جدول زمني أو نتائج متوقعة.
من جهتها، تقدّم دمشق مشاركتها في محادثات باريس بوصفها خطوة تقنية محصورة في إطار قانوني واضح، يتمثل في إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك الموقع عام 1974 عقب حرب أكتوبر. الخطاب السوري الرسمي يتسم بصرامة لافتة، إذ يصر على أن النقاش يقتصر على تنفيذ اتفاق قائم، وعلى انسحاب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت عليها قبل سقوط نظام بشار الأسد والتصعيد الأمني الذي تلاه، من دون أي توسيع لجدول الأعمال أو إدخال أبعاد سياسية أو تمهيدية لتطبيع العلاقات. وتؤكد البيانات الصادرة أن أي ترتيبات تمس السيادة السورية أو تتجاوز المرجعية الدولية القائمة تبقى مرفوضة بشكل قاطع.
تل أبيب: تحديث الترتيبات لا الاكتفاء باتفاق
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع محادثات باريس من زاوية مختلفة. فبينما لا تنكر مرجعية اتفاق 1974، إلا أنها تعتبره غير كافٍ بمفرده للتعامل مع الواقع الأمني الراهن. الخطاب الإسرائيلي، سواء في التصريحات العلنية أو عبر التسريبات الرسمية، يركز على الحاجة إلى ضمانات أمنية إضافية، ويربط أي تهدئة أو انسحاب بترتيبات ميدانية جديدة تتجاوز النص الأصلي للاتفاق، بما في ذلك قضايا تتعلق بطبيعة الوجود العسكري في جنوب سوريا ومستقبل الترتيبات الأمنية على المدى المتوسط. هذا التباين يعكس سعي تل أبيب إلى تحديث قواعد الاشتباك، حتى وإن لم يُطرح ذلك صراحة في صيغة اتفاق جديد.
تكتسب هذه الجولة التي تعقد على مدى يومين، أهمية إضافية لكونها الأولى بعد إعادة تشكيل الوفد الإسرائيلي المفاوض، عقب استقالة الفريق السابق، مما يعكس تحولات داخلية في إدارة الملف، ورغبة في ربط المسار التفاوضي بشكل أوثق بالحسابات الأمنية والعسكرية. في المقابل، يشارك الوفد السوري بمستوى رسمي مرتفع، مع التزام صارم بالإطار الذي أعلنته دمشق منذ البداية، من دون إبداء أي استعداد لتوسيع نطاق المحادثات.
هذا الاختلاف لا يقتصر على تفاصيل تقنية أو بنود تفاوضية، بل يطال طبيعة العملية نفسها. فبينما ترى سوريا أن المسار محدد قانونيًا ومغلق زمنيًا، تتعامل إسرائيل معه كمسار مفتوح وقابل للتطوير، وهو ما يفسر غياب أي بيان مشترك حتى الآن، واقتصار التصريحات على عموميات دبلوماسية لا تعكس تقاربًا حقيقيًا في المواقف.
الدور الفرنسي: دعم لا وساطة
أما الدور الفرنسي، فيبقى محصورًا في استضافة اللقاءات وتوفير إطار سياسي داعم، من دون الاضطلاع بدور الوسيط المباشر، رغم الاتصالات الجانبية التي يجريها المسؤولون الفرنسيون مع الأطراف المعنية على هامش الاجتماعات.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن محادثات باريس مرشحة لإنتاج تهدئة مؤقتة أو تفاهمات محدودة تتعلق بإدارة الوضع الميداني، من دون أن ترقى إلى تحول سياسي واسع. فالوساطة الأميركية تسعى إلى ضبط الإيقاع ومنع التصعيد، لا إلى ردم الفجوة العميقة بين مقاربتين متعارضتين: إحداهما تطالب بتنفيذ اتفاق قائم، والأخرى تسعى إلى إعادة صياغة الترتيبات الأمنية بما يتلاءم مع معادلات جديدة.
وعليه، يمكن القول إن ما يجري في باريس لا يشكل بداية مسار سلام، بقدر ما يمثل محاولة محسوبة لإدارة توتر مزمن، ضمن هامش ضيق تحكمه حسابات أمنية دقيقة وسقف منخفض للنتائج، مهما بدا المشهد دبلوماسيًا في ظاهره.