لم يعد ممكنًا توصيف ما يجري في إيران كأزمة اقتصادية أو توتر اجتماعي. ما تشهده البلاد هو تفكك تدريجي لدولة اختطفها نظام عقائدي فشل في الحكم ولم ينجح إلا في القمع، فالنظام الإيراني اليوم لا يدير دولة، بل يدير أزمة دائمة، ويعيش على تأجيل الانفجار لا منعه.
الاحتجاجات المتكررة، انهيار العملة، هروب العقول، اتساع الفقر، وتحوّل الشارع إلى كتلة غضب صامت، ليست أعراضاً ظرفية، بل دلائل على وصول نموذج الحكم إلى نهايته التاريخية.
بينما يعجز الإيراني عن شراء الخبز والدواء، يواصل النظام ضخ مليارات الدولارات على الميليشيات العابرة للحدود، على الحروب بالوكالة وعلى مشروعه النووي الذي يدفع ثمنه المواطن العادي عزلةً وفقراً
هذه ليست "سياسة خارجية" بل جريمة أولويات. فالدولة التي تسرق قوت شعبها لتمويل نفوذ وهمي، لا تسقط لأنها محاصَرة، بل لأنها فقدت أي مبرر أخلاقي للبقاء. فالمشكلة لم تعد في العقوبات، بل في نظام حوّل العقوبات إلى شماعة دائمة لفشله وفساده.
كما في كل انتفاضة شعبية يراهن النظام الإيراني على القمع ولكن يتناسى انّ الإيراني اليوم هو اكثر وعيًا، اقل خوفًا وأشد قناعة بأن هذا النظام لا يمثل مستقبله ويجب اقتلاعه من جذوره ولكن مصر انّ كل احتجاج يُقابل بالرصاص أو الاعتقال، وكل مطلب يُقابل بالتخوين. ولكن التاريخ يقول بوضوح إنّ القمع لا يصنع شرعية، بل يكشف غيابها والنظام لا يحكم بالرضا، بل بالخوف والمشكلة أن الخوف نفسه بدأ ينهار.
إيران اليوم تجمع أسوأ ما في التجارب الفاشلة، فهي تجمع من الاتحاد السوفييتي، اقتصاد منهك وخطاب أيديولوجي منفصل عن الواقع ومن سوريا تحويل الدولة إلى جهاز أمني يعيش على العنف والقتل!
قد لا يسقط النظام غدًا، لكنه يسير بثبات نحو أحد الخيارين امّا انهيار داخلي مفاجئ وسقوط لنظام الخامنئي أو بقاء مشوَّه يدمّر الدولة والمجتمع معاً وفي الحالتين، الخاسر هو إيران الدولة، لا النظام فقط.
اصبح معلومًا أنّ المنطقة تغيّرت فدول كثيرة تجاوزت منطق الشعارات والحروب الوكيلة، واتجهت إلى الاقتصاد والاستقرار. أما النظام الإيراني، فما زال يعيش في ثمانينياته الأيديولوجية، عاجزاً عن فهم أن زمن “تصدير الثورة” انتهى.
كل احداث المنطقة تشير إلى انّ النفوذ الإقليمي للنظام الإيراني لم يعد مصدر قوة، بل دليلاً إضافياً على فشل الداخل. وكل دولار يُنفق خارج إيران هو صفعة جديدة لمواطن مسحوق في الداخل.
النظام الإيراني لا يواجه معارضة فقط، بل يفتقد أي رؤية للمستقبل فلا مشاريع اقتصادية، لا عقداً اجتماعياً ولا شرعية سياسية بل فقط سلطة تُمسك بالقوة، وتخاف من شعبها، وتعرف في قرارة نفسها أن الزمن يعمل ضدها.
هذه ليست بداية ثورة فقط، بل نهاية نظام استنفد كل مبررات وجوده وقد يتأخر السقوط وقد يزداد القمع، لكن ما سقط فعلياً هو وهم “الدولة الثورية”. والتاريخ لا يخطئ فالأنظمة التي تحارب شعوبها… تخسر دائماً.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل سينتصر الشعب الإيراني في ثورته ام الايام القادمة تخبىء لنا سيناريو مادوري جديد في ايران؟
ناشطة سياسية واجتماعية