بعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي شملت مناطق بعيدة نسبيًا، عادت إلى الأذهان ما ذكرته الباحثة الأميركية – اللبنانية سارة اليافي بخصوص مشروع حاييم وايزمان سنة 1919.
لا تكمن أهمية هذا الكلام في عنصر المفاجأة، بل في استعادة حقيقة تاريخية حاول كثيرون التقليل من شأنها: الصهيونية لم تكن يومًا مشروعًا محصورًا بأرض فلسطين التاريخية وحدها، بل كانت رؤية توسّعية مبكّرة، وُلدت على الورق قبل أن تُنفّذ لاحقًا بالقوّة.
بعد الحرب العالمية الأولى، وقف حاييم وايزمان، رئيس الوفد الصهيوني إلى مؤتمر فرساي، حاملًا مذكرة مرفقة بخريطة لدولة لم تكن قد وُجدت بعد؛ خريطة لم تُرسم انطلاقًا من واقع قائم، بل من خيال سياسي شيطاني مدعوم بوعدٍ استعماري. في تلك الوثيقة، يظهر جنوب لبنان جزءًا من "الدولة اليهودية" المتخيّلة، بحدود تمتد إلى ما بعد صيدا، وتشمل جبل الشيخ. لم يكن ذلك خطأً جغرافيًا، ولا سهوًا دبلوماسيًا، بل تعبيرًا مبكرًا عن عقل توسّعي يرى في الجغرافيا مجالًا مفتوحًا لإعادة الصياغة وفق موازين القوّة.
في ذلك الزمن، لم يكن المشروع الصهيوني يملك أدوات التنفيذ؛ كان مشروعًا يُقايَض على الطاولات الدولية، ويطلب الاعتراف من القوى الكبرى، ويستجدي الخرائط من المنتصرين في الحرب العالمية الأولى. ويومها، لم تسقط تلك "الأحلام" صدفة، بل بفضل موقف تاريخي صلب قاده "مثلث الرحمات" البطريرك إلياس الحويّك، الذي أدرك باكرًا أن المعركة ليست حدودًا على ورق، بل صراع وجود وسيادة؛ فواجه، ورفض، وأسقط محاولة اقتطاع الجنوب اللبناني وإلحاقه بدولة لم تولد بعد.
غير أنّ ما لم يُدركه كثيرون هو أن إسقاط تلك الخريطة لم يُنهِ الفكرة، بل أجّلها؛ فالأفكار التوسّعية لا تموت، بل تنتظر موازين قوى أنسب. وما بدأ عام 1919 كأوهام مكتوبة بالحبر، عاد بعد عقود ليتحوّل إلى سياسة تُنفّذ بالحديد والنار. لم يعد المشروع الصهيوني يقدّم خرائطه للغرب طلبًا للموافقة، بل بات يرسمها على الأرض، بدماء البشر، وتحت غطاء التفوّق العسكري والدعم الدولي.
الفارق بين الأمس واليوم ليس في الجوهر، بل في الوسيلة. بالأمس كانت الخريطة تُعرض على مؤتمر فرساي، واليوم تُفرض على الواقع بالقصف والتهجير وتغيير الوقائع الديموغرافية. بالأمس كان الخطاب دبلوماسيًا ناعمًا، واليوم هو خطاب قوّة لا يعترف إلا بما يفرضه السلاح. بالأمس كان هناك مثلث الرحمات إلياس الحويّك، الذي لا يجيد إلا سياسة الصدق والرجولة، واليوم هناك السيّد خامنئي، الخائف على عرشه المتهالك، والمستعد للبيع والشراء ساعة تحين الظروف. بالأمس كان الهدف واضحًا، واليوم بقي الهدف نفسه: توسيع المجال الحيوي، وتكريس منطق "الحدود المرنة" التي تتغيّر وفق موازين الردع والضعف.
في هذا السياق، تستعيد مقولة الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي معناها العميق: «ما من شيء في هذا العالم أصعب من قول الحقيقة، ولا يوجد أسهل من الإطراء».
الحقيقة هنا موجعة، لأن الاعتراف بها يقتضي شجاعة فكرية وأخلاقية: المشروع الصهيوني لم يكن يومًا مشروع سلام، بل مشروع قوّة، وأغلبية الحالمين بالإمبراطوريات وقعوا في شركه؛ من "الوطن البديل" إلى الإمبراطورية الإسلامية الخمينية، والإمبراطورية العثمانية المتخيّلة. أمّا الإطراء، أي الاكتفاء بالشعارات الجاهزة والخطابات المريحة عن المقاومة والتحرير والصواريخ والبطولات الوهمية والعنتريات الكلامية، فهو أسهل، لكنه غالبًا كاذب، ويؤدي إلى تخدير الوعي بدل تنبيهه.
قول الحقيقة يعني الإقرار بأن ما يجري اليوم ليس طارئًا ولا وليد لحظة انتقام، بل امتداد تاريخي لرؤية قديمة تغيّرت أدواتها وبقي منطقها. ويعني أيضًا الاعتراف بأن ضعف الدولة اللبنانية بسبب أوهام مشاريع خارجية بدأت بمشروع الوطن البديل وصولاً إلى مشروع الدولة الإسلامية الكبرى التي يرعاها "صاحب الزمان" ووليه الإمام خامنئي، وتفكّك الهوية الوطنية، وضعف عصبية الانتماء للبنان عند شريحة واسعة من حَمَلة "الجنسية الورقية"، وتردد السلطة اللبنانية الحالية وغياب الدولة القادرة؛ كلّها عوامل تُغري المشاريع التوسّعية بالعودة من جديد.
بين خريطة 1919 وخرائط اليوم مسافة قرن من الزمن، لكنها المسافة نفسها بين وهمٍ مؤجَّل وواقعٍ مفروض. وما لم تُواجَه الحقيقة بوضوح مؤلم يؤدي إلى وعي حقيقي، بعيدًا عن الإطراء الكاذب والخطاب الإنشائي، ستبقى الخرائط تُرسم، لا بالحبر هذه المرّة، بل بالدم.