ليس مصير لبنان في عام 2026 مسألةَ توقّعاتٍ فلكيةٍ غيبية، ولا خلاصةَ تقاريرَ اقتصاديةٍ مرتجلة، ولا نتاجَ خطاباتٍ سياسيةٍ موسميةٍ شعبوية. فبعد التصريحات الأميركية الساخرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول ضعف السلطة اللبنانية في مواجهة ميليشيا "حزب الله"، وتصاعد التهديدات الإسرائيلية الملوِّحة بالاجتياح، والاستعراضات الخطابية لمسؤولي "حزب الله"، واكتفاء السلطة اللبنانية بالوعود، يبدو لبنان، كدولة، أقرب إلى مأزقٍ وجوديّ منه إلى أزمةٍ عابرة.
لبنان اليوم، في جوهره، سؤال على الطريقة الأَبورية: سؤال إشكالي مفتوح، تتنازع داخله الاحتمالات، وتتقاطع فيه التناقضات، ولا يسمح بجوابٍ نهائي أو يقينٍ مريح. ففي الفلسفة، السؤال الأَبوري (Aporetic Question)، كما استخدمه سقراط، ليس طريقًا مختصرًا إلى الحل، بل أداة لكشف المأزق. وقد طوّره أرسطو ليُظهر أن بعض القضايا لا تُحَلّ إلا بفهم التوتر القائم بين الأضداد. ولبنان اليوم يعيش هذا التناقض الفجّ: دولة قائمة في النص، غائبة في الفعل؛ سيادة مُعلنة، ومُصادَرة في الواقع.
هل يستطيع لبنان أن يتحوّل إلى دولة فعلية، أم سيبقى كيانًا عالقًا بين الدولة واللادولة؟
نظريًا، تتوافر كل مقوّمات الدولة: دستور، مؤسسات، جيش، نخبة بشرية، وتجربة سياسية طويلة. لكن في المقابل، تتراكم عوامل النقض: سلاح خارج الشرعية، اقتصاد نقدي موازٍ، سلطة سياسية مترهّلة، وارتهان إقليمي يجعل الكيان عرضة لأي اهتزاز خارجي.
هنا تتجلّى المعضلة اللبنانية بوضوح: اتجاهٌ نحو الدولة، يقابله اتجاهٌ معاكس بإتجاه اللادولة، من دون أن يُحسم الصراع.
الحقيقة أنّ لبنان بُني، بعد تطبيق اتفاقية الطائف، بطريقة فوضوية غير علمية على المستويات الاقتصادية والسياسية والإدارية والعسكرية كافة. وقد بدأ عمليًا، في عهد الرئيس ميشال عون، الدخول في مرحلة يمكن توصيفها بـ«الاستمرار في السقوط من دون ارتطامٍ نهائي» بسبب تجاوز مستويات الهدر والفساد كل حدود. فلم ينهَر كلّ شيء دفعةً واحدة، كما لم يُنقَذ شيء فعليًا. اليوم تكيّف الناس مع الواقع، لا لأنهم تجاوزوا الأزمة، بل لأنهم اضطروا إلى بناء حياةٍ موازية، غير قائمة على وجود الدولة. ويذكّرنا كانط بأن التكيّف مع الواقع لا يعني بالضرورة عقلنته أخلاقيًا. فالسؤال ليس: هل استطاع المجتمع أن يعيش؟ بل: هل هذه الطريقة في العيش قابلة للاستمرار من دون تآكل معنى الدولة، والشعب، والوطن؟
وهنا تبرز المعضلة الأكثر إيلامًا: هل هذا التكيّف شكلٌ من أشكال الصمود الخلّاق؟ أم آلية دفاع تُخفي انتحارًا بطيئًا؟
يُظهر تاريخ لبنان الحديث أنه حافل بتسويات كبرى لم تُصنع في الداخل، بل فُرضت بفعل توازنات وتدخلات خارجية. غير أن التجربة نفسها تؤكد أن الخارج لا يمنح حلولًا، بل يفرض توازنات هشة ومؤقتة.
في عام 2026، يقف لبنان أمام خيارات مصيرية قاسية: لا نهوض من دون دعم خارجي، ولا سيادة حقيقية مع الارتهان للخارج.
كان ابن خلدون أكثر واقعية حين ربط قيام الدول بامتلاك «العصبية» القادرة على حماية الكيان. والسؤال اليوم: هل وُجدت منذ إنشاء لبنان الكبير عصبية وطنية جامعة؟ وهل ولّدت مرحلة الاستقلال، وما تلاها، وعيًا وطنيًا دفع الشعب فعلًا إلى الدفاع عن دولته؟ أم أن العصبيات الجزئية والولاءات الخارجية التهمت فكرة الدولة من الداخل منذ البداية؟
ومن بين الأسئلة المفتوحة، يبرز اليوم السؤال الأخطر: هل لا يزال اللبنانيون قادرين على التفاعل السياسي والوطني لخلق عصبية وطنية جامعة؟ أم أنهم دخلوا مرحلة اليأس الصامت؟
الانتفاضات خمدت، الثقة تآكلت، والهجرة استنزفت الفئات الأكثر حيوية. ومع ذلك، يعلّمنا التاريخ أن المجتمعات لا تموت فجأة؛ بل تتآكل ببطء… أو تعيد بناء نفسها في لحظة غير متوقعة.
السؤال الحقيقي ليس: هل سينهض لبنان؟ بل: متى؟ وكيف؟ وبأي كلفة؟ ومن سيدفع الثمن؟
قيمة السؤال الفلسفي على الطريقة الأَبورية أنه يمنعنا من خداع أنفسنا. لا يعد بالخلاص، ولا يستسلم للتشاؤم. إنه يضعنا أمام الحقيقة العارية: لبنان في 2026 ليس قدرًا مكتوبًا، بل ساحة صراع بين احتمالات متناقضة.
قد يكون عامًا للانفراج، وقد يكون محطة جديدة في مسار الانحدار. والفرق بين الاحتمالين لا تصنعه النجوم، ولا التنبؤات، ولا الأمنيات، بل القرار السياسي الواثق، ووعي المجتمع، وبناء عصبية وطنية جامعة تُعيد الاعتبار إلى فكرة الدولة كضرورة وجودية، لا كخيارٍ مؤجَّل، ضائع بين مصالح الأمم الغريبة وأوهام الإمبراطوريات الدينية التي دفنها التاريخ إلى غير رجعة.