في مسيرة كروية تبتعد عن القوالب التقليدية، يقدّم الدولي اللبناني عمر شعبان بوغيل نموذجًا مختلفًا للاحتراف، حيث سبق الإصرارُ الموهبة، وتقدّم العملُ اليومي على الأضواء والشهرة. لم يبدأ طريقه من حلم طفولي واضح أو مشروع احترافي مبكر، بل من هدف بسيط تمثل في تعلّم اللغة الإنكليزية ومتابعة الدراسة، في مرحلة لم تكن كرة القدم فيها أولوية أساسية في حياته.
وفي حديث خاص لصحيفة "نداء الوطن"، يستعيد بوغيل بداياته قائلًا: "في عام 2010 لم أكن أفكّر بالاحتراف إطلاقًا. كل ما أردته كان تعلّم اللغة الإنكليزية ومتابعة دراستي، وكانت كرة القدم مجرد جزء من حياتي، لا أكثر".
غير أن مسار الأمور لم يبقَ على حاله. فمع مرور الوقت، شكّلت اللقاءات التي جمعته بأشخاص آمنوا بقدراته نقطة تحوّل مفصلية، غيّرت نظرته إلى مستقبله الكروي، ودفعت بفكرة الاحتراف من حيّز الاحتمال إلى الواقع.
ويشرح بوغيل: "لقاء الأشخاص المناسبين منحني الدافع والإيمان بقدرتي على الوصول. أكبر حافز بالنسبة لي كان ألا أعود إلى العمل خارج كرة القدم".
هذا الخيار فرض عليه نمط حياة صارمًا، قوامه الانضباط والالتزام اليومي والعمل المتواصل، وهي معادلة أثمرت توقيع أول عقد احترافي في مسيرته عام 2017 مع نادي Forest Green Rovers، فاتحًا أمامه مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والطموح.
وعن اللحظة التي شعر فيها بأن حلم الاحتراف بات قريب المنال، يؤكد بوغيل أن موسم 2016–2017 شكّل المنعطف الأهم في مسيرته. ويقول: "كنت أعيش تلك المرحلة بثقة كبيرة. كنت أوازن يوميًا بين العمل والتدريب، ملتزمًا بروتين صارم، وسجّلت أهدافًا عديدة وقدّمت أداءً ثابتًا، ما جعلني أشعر بأنني أسير في الاتجاه الصحيح».
على الصعيد الإنساني، لم تكن الرحلة سهلة. فالتنقل المستمر في طفولته بسبب طبيعة عمل والدته، ثم الانتقال إلى إنكلترا في سن السادسة عشرة، حملا معه تحديات لغوية واجتماعية كبيرة.
ويستذكر بوغيل تلك المرحلة قائلًا: "الانتقال في سن مبكرة كان صعبًا جدًا، خصوصًا أن لغتي الإنكليزية لم تكن جيدة. لكن كرة القدم كانت وسيلتي للتواصل مع الناس، والوحدة علّمتني الاعتماد على نفسي والبقاء مركّزًا على أهدافي".
هذه التجارب القاسية أسهمت في صقل شخصيته ومنحته نضجًا مبكرًا، انعكس لاحقًا على حضوره داخل المستطيل الأخضر وخارجه.
ومع انتقاله إلى AFC Wimbledon، وجد بوغيل الاستقرار الذي كان ينشده، ليتحوّل النادي إلى محطة محورية في مسيرته الاحترافية. ويقول: "أنا ممتن جدًا لـ AFC Wimbledon على الثقة التي منحني إياها. هذا النادي أصبح بمثابة البيت بالنسبة لي، وخوضي أكثر من 100 مباراة بقميصه يحمل قيمة كبيرة على الصعيدين المهني والشخصي".
أما على المستوى الدولي، فيحتل تمثيل منتخب لبنان مكانة خاصة في قلبه، لا سيما مع تحوّله إلى أحد أكثر اللاعبين خبرة في صفوفه. ويعبّر عن ذلك بالقول: "تمثيل منتخب لبنان شرف كبير. عشنا لحظات جميلة وأخرى صعبة، وهذا جزء طبيعي من كرة القدم الدولية، لكنني أؤمن بأن الجيل الجديد قادر على بناء مستقبل أفضل لكرة القدم اللبنانية".
وفي ختام حديثه، يقدّم بوغيل رؤية هادئة وواقعية للمستقبل، واضعًا الاستمرارية والتطوّر في صلب أولوياته، قائلًا: «أرغب في الاستمتاع بكل مرحلة من هذه الرحلة. أعلم أن كرة القدم لا تدوم إلى الأبد، لذلك أسعى إلى التطوّر والاستمتاع بكل لحظة داخل الملعب».