العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

التحدّي الكبير: المراهنة على فشل نظام مركزي في لبنان

5 دقائق للقراءة

في فيلم The Big Short، الذي وثق المؤشرات التي سبقت الانهيار المالي عام 2009، استطاع عدد قليل من الأفراد رؤية ما رفض معظم الناس الاعتراف به. كانت إشارات الانهيار في كل مكان، لكن المستفيدين من النظام تجاهلوا ما كان واضحًا أمام أعينهم. وكما قال مارك توين: "ليس ما لا نعرفه هو ما يوقعنا في المتاعب، بل ما نعتقد يقينًا أنه صحيح وهو في الواقع غير صحيح". الذين راهنوا على الانهيار في The Big Short نجحوا وحققوا أرباحًا هائلة، بينما من لم يراهنوا تكبدوا العواقب المالية الكارثية. واليوم، يشهد الشرق الأوسط لحظة وضوح مماثلة، لا سيما في لبنان، حيث تشير جميع المؤشرات إلى أن النظام المركزي اللبناني يتجه نحو انهيار لا مفرّ منه. ولم تعد الخطوة العقلانية الدفاع عن هذا النظام، بل المراهنة ضده.


قراءة إشارات الانهيار

استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025، واللقاء الصحافي بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو في 29 كانون الأول 2025، ليست أحداثًا روتينية. فهي إشارات واضحة لمن يريد قراءتها، تدل على إعادة ترتيب إقليمي لم تعد فيه الأنظمة المركزية ذات قيمة استراتيجية. بالنسبة إلى لبنان، يعني ذلك أن النظام المركزي واتفاق الطائف لم يعودا قابلين للاستمرار. فقد اعتمد بقاؤهما على الرعاية الخارجية، والشلل الداخلي، ووهم ثبات موازين القوى الإقليمية، ولم يعد أيٌّ من هذه الافتراضات قائمًا.


"حزب الله" و"أمل" ونهاية الرهان الإيراني

بالنسبة إلى "أمل" و"الحزب"، تبدو الرسالة اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فاستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، إلى جانب المؤتمر الصحافي المشترك لترامب ونتنياهو، لا تترك مجالًا للالتباس. لم تعد إيران قادرة على تشكيل نظام إقليمي، بل باتت عاملًا مُعطِّلًا تتراجع قدرته ونفوذه وهامش مناورتِه بسرعة واضحة.

لقد جلب التحالف بين "حزب الله" و"أمل" والنظام الإيراني عواقب كارثية على المجتمع الشيعي في لبنان: عزلة اقتصادية، حروب متكررة، عقوبات، وتآكل في الشرعية الوطنية. إن الاستمرار في هذا التحالف هو إنكار للوقائع. المسار العقلاني هو فك الارتباط: نزع السلاح، إعادة الاندماج السياسي، والاصطفاف مع الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل. ومن يفشل في قراءة الإشارات يخاطر بأن يُسحق مع البنية المنهارة التي يدافع عنها.


السنّة والدروز ووهم الطائف

أما بالنسبة إلى الطائفتين السنية والدرزية، فلا بد من مواجهة وهمٍ آخر: الاعتقاد بأن اتفاق الطائف لا يزال إطارًا قابلًا للحياة. فعلى الرغم من أن السعودية، والقيادة السنية، والدروز نظروا إلى الطائف، كلٌ من موقعه، بوصفه ترتيبًا ضامنًا لمصالحهم، فإن الواقع اليوم أكثر قسوة ووضوحًا. فقد أتاح الطائف صعود محور "حزب الله- أمل- إيران-النظام السوري السابق"، الذي تمكن في نهاية المطاف من الاستيلاء على الدولة. وبدلًا من حماية مصالح السنّة والدروز، أفرغ الاتفاق مؤسسات الدولة من مضمونها وفتح الباب أمام التنازل عن السيادة. لقد فشل هذا الإطار، ولا يمكن إحياؤه.


السعودية وإسرائيل ومسارات متباينة في سوريا

على السعودية إعادة تقييم الإشارات الإقليمية بعناية. فبينما تتقاطع مصالح الرياض وإسرائيل تكتيكيًا في سوريا، لا سيما في منع طموحات تركيا وقطر واحتواء تداعيات النظام الإسلاموي، إلا أن رؤيتيهما الاستراتيجيتين تتباعدان بعد ذلك. ففي حين تسعى السعودية إلى استمالة القيادة السورية بهدف توطيد دورها الإقليمي والسني، ومنع العدوى الأيديولوجية-الإسلاموية من التسلل إلى أراضيها، تميل إسرائيل نحو نموذج يرفض السلطة المركزية القوية في سوريا، مفضلة ترتيبات حوكمة بديلة تحمي حدودها مع سوريا، وتعزز دور الدروز والمسيحيين، وهو موقف أكد عليه نتنياهو وترامب في المؤتمر الصحافي.

وعلى السعودية أيضًا أن تتأمل في التباعد طويل الأمد بين الإمارات والاستراتيجية السعودية في اليمن، وفي اعتراف إسرائيل بصوماليلاند وموقف إثيوبيا منها، وهي تطورات سيكون أيضًا من الحكمة لمصر دراستها بعناية. فهذه ليست تحركات معزولة، بل جزء من نمط أوسع لإعادة الاصطفاف الاستراتيجي.


اللحظة الاستراتيجية لإسرائيل والنظام الإقليمي الجديد

في أعقاب الهجمات الإرهابية في 7 تشرين الأول، توسع التفوق العسكري النوعي لإسرائيل (Qualitative Military Edge) بشكل هائل، مما جعل القدرات المسلحة لتركيا وإيران ومصر والسعودية غير فعّالة أمام الجيش الإسرائيلي. وتمسك إسرائيل اليوم بزمام المبادرة في تشكيل النظام المشرقي، وهو واقع يعيد رسم خيارات جميع اللاعبين الآخرين في المنطقة، ويتطابق تمامًا مع استراتيجية الأمن القومي الأميركية، التي تدعو الفاعلين الإقليميين إلى إنشاء آليات لإدارة الأزمات ضمن الرؤية الاستراتيجية الأميركية.


رسالة إلى مسيحيي لبنان وجميع اللبنانيين

على مسيحيي لبنان، على وجه الخصوص، إدراك هذه اللحظة الحاسمة. لم يعد الصبر السلبي خيارًا؛ فالاختيار أصبح بين الانخراط مع الفاعلين الإقليميين للمساهمة في تشكيل النظام الناشئ، أو البقاء عالقين في نظام مركزي ينهار وتحمل تبعاته. الدولة المركزية وأوليغارشياتها تعيش على استنزاف النظام، لكنها، مثل المؤسسات المالية في عام 2009، مفلسة بنيويًا. وعندما يأتي الانهيار، سيسقط معها كل من تجاهل الإشارات.

الاستراتيجية العقلانية واضحة: المراهنة على فشل نظام مركزي في لبنان. ومن يفعل ذلك لن ينجو من الانهيار فحسب، بل سيكون في موقع يمكّنه من المساهمة في بناء ما يأتي بعده.