وائل خير

المآخذ الجوهرية على الإجراء الأميركي

4 دقائق للقراءة

في الساعات الأولى من اليوم الثالث من العام 2026 قامت وحدات الدلتا الأميركية بغارة محكمة التخطيط والتنفيذ على المقر الحصين لرئيس جمهورية فنزويلا نيكولاس مادورو ونقلته، وزوجته سيلفيا فلورا بواسطة هيليكوبتر إلى طراد تابع للبحرية الأميركية نقلهما إلى نيويورك، ليمثلا بعد يومين أمام قاضي تحقيق فدرالي بتهم جرائم مخدرات وحيازة أسلحة.

من البديهيأن يحظى حدث بهذه الفرادة بأهمية كبرى. حسبي بمقال ذي حدود، أن أقيّم بإيجاز الإجراء من زاويتين دمغتا نشاطي: القانون الدولي وحقوق الإنسان.

حجتان استعان بهما الرئيس دونالد ترامب لتبرير أحداث 3 يناير: سابقة التدخل العسكري عام 1989 في باناما وإنهاء حكم إيمانيويل نورييغا. كما علل الرئيس ترامب إجراءه "بتنفيذ قرار محكمة أميركية بجلب متهم للتحقيق أمام قاض فدرالي".

لم تجد مراجع القانون الدولي صعوبة في رد الحجتين. حجة استحضار متهم أمام القضاء واضحة البطلان إذ محل تطبيق الاستحضار، إرادة أم قسرًا، يكون على أراضي الدولة لسيادتها عليها، وليس أراضي تتبع سيادة دولة أخرى. خطورة الخرق تتعدى تفاصيل الحدث ذلك أنها تنتهك أحد أهم إنجازات القانون الدولي عبر التاريخ وهي مبدأ "سيادة الدولة على أراضيها" الذي نصت عليه اتفاقية وستفاليا عام 1648 وبفضلها قامت الدولة الحديثة إذ طوت المفهوم المتعارف عليه عبر العصور: احتلال الأقوى أراضي الأضعف. الإجراء الأميركي هذا عظيم الخطورة إذا ألغينا مبدأ سيادة الدولة، بات العالم، بقوانينه الداخلية والدولية، يبيح للقوي استباحة حقوق من هم دونه قوة، حتى يبرز من يتفوق قوة على القوي ويملي شروطه عليه. بذاك وأد لكل ما بنته البشرية من حضارة وقيم بتضحياتها عبر آلاف السنين، وبها تكون عودة لشرائع الغاب.

أما سابقة باناما فهي "قياس مع الفارق" إذ لا تتماثل عناصر الحدثين. بموجب اتفاقيات وقعها الطرفان، أقامت الولايات المتحدة قواعد عسكرية لها في باناما حماية لمصالحها في المرور عبر القناة الدولية . ثم إن اشتباكات عسكرية في العام 1989 أدت لسقوط ضحايا أميركيين سبقت العملية العسكرية الضخمة التي أنهت حكم نورييغا.

سيادة الدول وغيرها من سمات العصر الحديث ليست ضاربة في القدم. تعود لمعاهدة وستفاليا 1648 التي أنهت حروب الـ 30 سنة الدينية وكانت بداية قيام الدولة الحديثة. كان الإقرار بالسلطة المركزية وسيادة الدولة على أراضيها أبرز ما نصت عليه تلك الاتفاقيات وبات أساس العالم الحديث.

هناك هاجس ثانٍ يقلق الخروج عنه مناصري حقوق الإنسان. إنه ما يعرف بـ "المنزلق" Slippery slope .

مبدأ "الضرورات تبيح المحظورات" لا اعتراض عليه إن طبّق بحذر ودقة إذ في تعميم المبدأ دون ضوابط، نهاية كل قانون وعدالة.

استقر العرف على أن الإمساك موقتا، والتشديد على موقتًا، عن تطبيق حرفية نص قانوني، يبقى إجراء صحيحًا إن حقق عدالة لا يحققها الالتزام بالنص. لكن العرف، خوفًا من الإسراف في الخروج عن النصوص القانونية، أصرّ على إثبات عنصر الضرورة خوفًا من شيوع الاستثناء المؤدي إلى استئصال العدالة وإنهاء حكم القانون.

مما لا شك فيه أن إحضار متهم عنوة يقيم على أراض ضمن سيادة تلك الدولة للمثول أمام محكمة وطنية، هو من صميم العدالة وحكم القانون. غير أن انتهاك سيادة دولة أجنبية والقيام بغارة مذهلة التنظيم والمستوى التقني لمداهمة رئيس دولة أجنبية في مقره وحتى غرفة نومه، ونقله عنوة جوًا ثم بحرًا تنفيذًا لمذكرة إحضار أمام قاض فدرالي في بلد أجنبي، لا نقف على ما يماثلها، ويخشى أن يكوّن سابقة بها، إن عمّت، تقويضًا للقانون الدولي. فإن لم يندد بهذه السابقة بغية عدم تكرارها، لأمكن تقويض آلاف السنين من التضحيات والصبر والمثابرة أثمرت تشييد الصرح القانوني الدولي وحقوق الإنسان الذي نعيش في اطاره.

يمكن وضع أو الاستشهاد بمقدار لا حدود له بوحشية ودمار وقتل وسبي عمت تاريخ البشرية تركت وراءها إدانات لا تقبل الرد أو حتى الجدل انتهت إلى وضع قوانين للحروب ملزمة يعاقب من لا يتقيّد بها.

لكن أبلغ ما يمثل الإنجاز الحضاري نجده في كلاسيكيات اليونان. وضع ثيوسايديدس كتابًا عرض فيه أحداث حرب البولينيزيا بين اسبارطة واثينا (431-404 ق.م.) ما يعنينا حدث يثبت ما نحن بصدده. لاح في أفق جزيرة نيلوس توجه الأسطول الاثيني نحوهم. تشاور وجهاء القوم واستقر رأيهم على مفاوضة القبطان الاثيني. لما عرض النيليسيون التفاوض، استغرب القبطان الطلب. "ماذا تعنون بالتفاوض؟ القوي يملي والضعيف يرضخ".

ما لم نتحرك قبل فوات الأوان، لعدنا بالحضارة البشرية إلى رؤية القبطان الاثيني.