من خطاب القسم، قطعتم عهدًا واضحًا أمام اللبنانيين:
"عهدي لكم" أن أطعن بدستورية أي قانون يخالف أحكام الدستور.
"عهدي لكم" أن يفتخر كل مغترب بلبناننا كما يفتخر لبنان بمغتربيه، فحقهم في التصويت هو حق مقدّس.
"عهدي لكم" ان لا اتهاون في حماية أموال المودعين.
"عهدي لكم" أن يكون حق حمل السلاح مقتصرًا على الدولة.
في التاسع من كانون الثاني، مرّت سنة كاملة على انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية. سنة لا تسمح بإصدار حكم نهائي، لكنها تفرض جردة حساب صريحة ومسؤولة، لأن اللبنانيين لم يعودوا يحتملون عهودًا تستهلك الوقت وتراكم الخيبات. هذه ليست محاكمة لعهد في عامه الأوّل، بل قراءة في المسار هل نتقدّم إلى الأمام، أم ندور في المكان نفسه، أم ننزلق إلى الخلف؟
أكتب هذا النصّ من موقع المسؤولية الوطنية، موقع لا يسمح بالمجاملة ولا يبرّر القسوة المجانية. نحن من دورة واحدة، دخلنا معًا الكلية الحربية عام 1983 وتخرّجنا عام 1985، في زمن كانت فيه الدولة تُستنزف والجيش يُمتحن يوميًّا. عرفتُ الرئيس جوزاف عون ضابطًا شابًا مميزًا، ناجحًا، هادئًا، متواضعًا، بعيدًا من الاستعراض. يفرض احترامه بسلوكه لا بخطابه. وهذا ما يجعل الصراحة اليوم واجبًا، لأن الصمت في لحظة الانهيار خيانة للزمالة قبل أن يكون خيانة للوطن.
لا يمكن إنكار أن العهد أعاد إلى رئاسة الجمهورية شيئًا من هيبة الموقع بعد سنوات من الفراغ والتشويه، وأعاد لغة الدولة إلى قصر بعبدا، وحافظ على المؤسّسة العسكرية متماسكة ومحايدة وسط انهيار شامل، ونجح في إعادة وصل لبنان بالخارج من دون استعراض. كما أن خطاب القسم، وما تضمّنه من عبارة "عهدي لكم" التي تكرّرت أكثر من مرة، رفع سقف التوقعات ووضع التزامًا مباشرًا بين الرئيس واللبنانيين.
لكن بعد سنة، يبقى السؤال الجوهري: هل بدأت هذه العناوين تتحوّل إلى مسار حكم فعليّ؟ لبنان لا يحتاج فقط إلى إدارة ذكية للأزمة، بل إلى قرارات جريئة تعالج أسبابها. الحذر مفهوم في بلد مفخخ سياسيًا، لكن الحذر المفرط يتحوّل تردّدًا، والتردّد في موقع الرئاسة يُفسَّر ضعفًا، والضعف هو البيئة المثالية لإعادة إنتاج المنظومة نفسها التي أوصلت البلاد إلى الانهيار.
في مقدّم الملفات التي لا تحتمل التأجيل، ملف الهدر والفساد وسرقة المال العام. لا دولة بلا محاسبة، ولا إصلاح مع مسايرة. المطلوب ليس فقط فتح هذه الملفات، بل إطلاق تحقيق جنائي ماليّ شامل يهدف إلى استرداد الأموال المنهوبة والمهرّبة، لأن هذا المسار وحده كفيل بإعادة الجزء الأكبر من أموال المودعين. هنا يكمن الفرق بين خطاب إصلاحي وإصلاح فعليّ: محاسبة الفاسدين وزجّهم في السجون هو الإنجاز الحقيقي، لا التعيينات ولا البيانات ولا اللجان.
ومن هذا المنطلق، يصبح واضحًا أن لبنان ليس مضطرًا للارتهان لاتفاق مع صندوق النقد الدولي إذا أُعيدت الأموال المنهوبة إلى الدولة. استعادة هذه الأموال تعيد القرار المالي إلى الداخل، وتحفظ السيادة الاقتصادية، وتمنع تحويل الإصلاح إلى وصاية مقنعة تُدفع كلفتها من جيوب المودعين.
وفي هذا السياق، يُطرح ما يُسمّى "قانون الفجوة المالية"، وهو في جوهره أخطر من كونه توصيفًا محاسبيًا. فحين تُحدّد الفجوة من دون تحديد المسؤوليات، تتحوّل الخسائر من جريمة مالية إلى رقم، ومن حق مسلوب إلى تسوية قسرية. إن أي قانون لا يبدأ بمحاسبة الدولة ومصرف لبنان والمصارف، ولا يجعل استرداد الأموال المنهوبة أولوية، يكون عمليًا تشريعًا لشطب أموال المودعين ولو بأسماء مختلفة. وهذا مسار مرفوض وطنيًا وأخلاقيًا، لأنه يعفي المرتكبين ويحوّل المودع إلى الضحية الوحيدة.
ولا يمكن لأي جردة حساب جدّية أن تتجاوز مسألة السلاح خارج إطار الدولة، هذه المعضلة التي شكّلت على مدى سنوات المصدر الأساسيّ لاختلال التوازن الوطني وتعطيل منطق الدولة. فالدولة لا تكتمل سيادتها طالما القرار الأمني والعسكري ليس حصرًا بيد مؤسساتها الشرعية، وطالما يُربط قرار السلم والحرب باعتبارات خارج الدستور وخارج الإرادة الوطنية الجامعة. معالجة هذا الملف لا تكون بالشعارات ولا بالمواجهة العبثية، بل بإرادة سياسية واضحة تضع مصلحة الدولة فوق أي حساب آخر، وتؤكد أن لا استقرار دائمًا ولا إصلاح حقيقيًا ولا ثقة داخلية أو خارجية من دون حصرية السلاح بيد الدولة، ضمن مسار وطنيّ مسؤول يحفظ السلم الأهلي ولا يساوم على السيادة.
في المقابل، لا يمكن بناء دولة بمنطق الانتقام أو القطيعة. الدولة استمرارية وليست ظرفًا، والمحاسبة لا تعني شطب الماضي بل إخضاعه للقانون. أمّا ملء الشغور في الوظائف الإدارية والأمنية، فعلى أهميّته، فهو ليس إنجازًا بل استحقاقًا بديهيًا، لأن الدولة لا تُدار بالفراغ. الإنجاز الحقيقي يبدأ عندما تتحوّل هذه التعيينات إلى مدخل لإصلاح الإدارة، لا إلى إعادة تدوير المحاصصة.
ويأتي في صلب هذه الجردة ملف أموال المودعين، هذا الجرح المفتوح في وجدان اللبنانيين. أموال المودعين ليست بندًا تقنيًا ولا رقمًا تفاوضيًا، بل حقًا مقدّسًا. لا يمكن لأي عهد أن ينجح إذا وقف على مسافة واحدة بين من نهب ومن نُهب. استرجاع هذه الأموال هو الامتحان الأخلاقيّ الأول للعهد، وهو الترجمة العملية لعبارة "عهدي لكم" إذا أُريد لها أن تبقى ذات معنى.
ولا يقلّ أهميّة عن كلّ ما سبق ملف قانون الانتخابات العالق حتى اليوم في المجلس النيابي. فقد قال الرئيس في خطابه بوضوح: "عهدي لكم أن يحق للمغتربين التصويت لكل النواب الـ 128". هذا التعهّد ليس تفصيلًا تقنيًا، بل جوهر الشراكة الوطنية. فحرمان المغتربين من هذا الحق يشكّل انتقاصًا من مواطنتهم ودورهم، ويُبقي القانون الانتخابي أسير الحسابات الضيّقة. إن إقرار قانون انتخابي عادل، يكرّس حق المغتربين الكامل في الاقتراع، هو خطوة إصلاحيّة بامتياز، واختبار فعلي لجدّية العهد في ترجمة وعوده.
لبنان لا يعاني من نقص في الملفات ولا في الخطط، بل من تسييس كلّ ملف وتحويله إلى ورقة ضغط. الفرص ما زالت موجودة، لكن الوقت يضيق. المطلوب التقاط هذه الفرص ومنع إضاعة المزيد منها، لأن ما ضاع سابقًا كان نتيجة خيارات خاطئة، أمّا ما قد يضيع اليوم فسيكون نتيجة تقاعس لا يُغتفر.
هذا النص ليس محاكمة للعهد، بل إنذارًا باسم اللبنانيين الذين شبعوا كلامًا ووعودًا من عهود سابقة لم تُنتج سوى الطموحات الشخصية والمناصب. من التاسع من كانون الثاني فصاعدًا، لم يعد مقبولًا إدارة الوقت بدل إدارة الدولة. اللبنانيون لا يطلبون معجزات، بل قرارات، ولا يطلبون بطولات، بل محاسبة.
"عهدي لكم" ليست عبارة تُقال، بل التزامًا يُقاس بالأفعال. ومن لا يفتح الملفات الكبرى، ولا يواجه منظومة الفساد، ولا يستعيد الأموال، ولا يكرّس السيادة، ولا يُصلح قانون الانتخابات، سيُضاف اسمه إلى لائحة العهود التي مرّت من دون أن تغيّر شيئًا. ما زال هناك وقت، لكن الوقت لا يرحم… وهذه قد تكون الفرصة الأخيرة، لا للعهد فقط، بل للجمهورية نفسها.