استخدام روسيا لصاروخ فرط صوتي من طراز «أوريشنيك» في الهجوم الأخير على أوكرانيا لا يمكن قراءته كحادثة عسكرية منفصلة، ولا حتى كتصعيد تكتيكي عابر. نحن أمام خطوة سياسية-عسكرية محسوبة، هدفها الواضح تعقيد أي مسار سلام بدأ يتشكّل خارج الإرادة الروسية، وخصوصًا في لحظة تشهد فيها كييف حراكًا دبلوماسيًا غير مسبوق لتثبيت معادلة الضمانات الأمنية طويلة الأمد.
التجربة خلال العامين الماضيين أثبتت أن موسكو تلجأ إلى هذا النوع من الضربات كلما اقترب النقاش من حلول سياسية جدية. صواريخ عالية الرمزية، ضجيج استراتيجي، وتهديدات مبطّنة، من دون أن يواكب ذلك أي تغيير حاسم على خطوط التماس. «أوريشنيك» لا يغيّر موازين القوى، لكنه يُستخدم كأداة تخويف، وكإشارة اعتراض روسية على مسار سياسي ترى فيه هزيمة مؤجلة.
توقيت الهجوم ليس تفصيلًا. فهو يأتي مباشرة بعد جولات قام بها الرئيس فولوديمير زيلينسكي في عواصم أوروبية، تُرجمت باتفاقيات وضمانات ثنائية، وتقدّم ملموس في مشروع نشر قوات أوروبية ضمن ما يُعرف بـ«تحالف الراغبين». هذا المشروع، حتى بصيغته غير القتالية، يشكّل تهديدًا استراتيجيًا للكرملين، لأنه يضع حدًا لفكرة الحرب الدورية، ويقفل الباب أمام إعادة إنتاج الغزو تحت أي ذوائع مستقبلية.
في المقابل، تحاول موسكو الترويج لفكرة أنها منفتحة على السلام، لكنها عمليًا ترفض أي سلام لا يقوم على شروطها. فبالنسبة للكرملين، أي اتفاق يتضمن وجودًا أوروبيًا، أو ضمانات ردع حقيقية، أو تثبيت أوكرانيا ضمن الفضاء الأمني الغربي، ليس تسوية، بل خسارة استراتيجية كاملة. من هنا، يصبح التصعيد وسيلة لتعطيل السياسة، لا لاستكمال الحرب.
أوكرانيا، في هذا السياق، تطرح موقفًا واضحًا لا لبس فيه. كييف تؤكد دعمها للمبادرات السلمية، ولا سيما تلك التي تقودها الولايات المتحدة، وتُبقي الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية بكل أشكالها، بما في ذلك لقاءات على مستوى القادة. لكنها في الوقت نفسه تضع خطًا أحمر أساسيًا: لا اتفاقات بشأن أوكرانيا من دون أوكرانيا، ولا صفقات تُفرض عليها من الخارج.
كما تشدد كييف على أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها ترفض منطق الاستسلام المقنّع. الضربات الأوكرانية الدقيقة بعيدة المدى تأتي، وفق هذا المنطق، كردّ مباشر على الإرهاب الروسي، وكوسيلة لإعادة الكرملين إلى واقع أن الحرب لم تعد بلا كلفة. وترى القيادة الأوكرانية أن دفع موسكو نحو دبلوماسية حقيقية يتطلب موقفًا غربيًا موحدًا، وضغطًا متصاعدًا، لا ازدواجية في الخطاب ولا تردّدًا في الفعل.
وسط هذا الاشتباك السياسي والعسكري، تحاول روسيا إبقاء التركيز على الصواريخ والأسلحة، لإخفاء جوهر الصراع الحقيقي: ما يجري في الأراضي الأوكرانية المحتلة. هناك، لا نتحدث عن إدارة مؤقتة أو ترتيبات أمنية، بل عن سياسة قمع ممنهجة تهدف إلى محو الهوية الأوكرانية.
التقارير الميدانية توثّق حالات واسعة من التعذيب، والإعدامات خارج إطار القانون، والعنف الجنسي، والوفيات داخل أماكن احتجاز الأسرى. كما يعمل الاحتلال الروسي على عسكرة المجتمع من القاعدة، عبر المدارس والبرامج «التربوية»، حيث يتم إشراك الأطفال، حتى في سن السادسة، ضمن منظومة دعائية وعسكرية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي بالقوة.
إلى جانب ذلك، تُفرض جوازات السفر الروسية قسرًا، ويُربط الحصول على أبسط الحقوق، من رعاية صحية وتعليم ومعاشات تقاعدية، بقبول هذه الوثائق، في عملية ابتزاز جماعي للسكان. ويواكب ذلك قمع لحرية التعبير والديانة، ومحاولات منهجية لاستبعاد اللغة الأوكرانية من التعليم والحياة العامة.
هذه الوقائع تؤكد أن أوكرانيا لا تخوض حرب حدود فقط، بل معركة وجود. معركة على الحق في الهوية، واللغة، والذاكرة، والبقاء.
ومن هنا، يصبح هجوم «أوريشنيك» محاولة للهروب إلى الأمام، لا أكثر: ضربة تهدف إلى إرباك السياسة وتأجيل الاستحقاق، في لحظة بات فيها السلام المشروط بالضمانات أقرب مما ترغب به موسكو.
