صدر عن "دار سائر المشرق" و "منشورات الرائي المستنير - نيويورك"، كتاب "حصّادو الشمس – كتاب حياة الاستنارة" للمفكّر دريد عوده. وهو إصداره الـ 18، والخامس مع "الدار" بعد: "يسوع الأسيني، حياة يسوع السرّية"، "براعم الأزل"، "لغة الأرض الأولى"، و "الشافي بالنور - سِفر القيامة الروحية". في 300 صفحة، يعيد عوده تعريف 130 مفهومًا فلسفيًا ودينيًا، مرسّخًا فلسفة الاستنارة كردّ حضاري على العدمية المادّية في الغرب والتوحّش الديني في الشرق. الكتاب مشروع لمصالحة الله مع الكون والزمن، والفلسفة مع العِلم والدِّين، حيث يعلن عوده "ملكوت العقول والقلوب" تحت شعار: "فيثاغورس بروح المسيح". وهنا مقتطفات من الكتاب تنشرها "نداء الوطن".
العدميّة
ذوو العقول يشعرون بالعدميّة الوجوديّة السوداء، بخواء الحياة من كلّ معنى أصيل، وبأننا مجرّد أجرام سماوية هائمة على وجهها في سديم الحياة المُعتِم، فيحيلون عذاباتهم أفكارًا يتسامون بها فوق جراحهم. فالأفكار هي أجنحة الأرواح الكسيرة، والفلسفة ملاذ أخيرٌ، صاخب، للروح المتألِّمة بصمت.
ذوو العقول تمتلئ أفواههم الفارغة بغذاء الروح. فالكلمات تُنسي، تُغني عن الجوع إذا ما عرف المرء كيف يحوِّل جوعه، الذي هو صيامٌ قسري، إلى وليمة حكمة ومأدبة نسك لا يتحلّق حولهما غير الجياع والعطاشى بالروح.
لكن ليس لدى البسطاء مثل هذا البذخ على مآدب العقل والروح. هم لا يملكون تلك الطاقة الروحية الخلّاقة التي تحوِّل كسرات الخبز اليابس إلى معاجن خبزٍ وحكمة. ولا يملكون تلك القدرة المُبدِعة لتحويل الماء القليل إلى جِرار خمرٍ ونشوة. صيامهم الجسدي القسري يقودهم إلى صيامٍ قسري للروح: يحوِّلون فاقتَهم إلى نقمة روح، وجوعَهم إلى لعنة نفس، وظمأَهم إلى مرارة قلب. هم لا يملكون كأغنياء الروح أجنحةً تطير بهم إلى الشمس؛ إلى قبب الظهيرة حيث يتربّع الملوك الفلاسفة فقط. وحدهم الآلهة موجودون على تلك الأرائك. حتّى الله، لا.
***
بين هلالين: هناك في مدينة الفلاسفة الفاضلة لا يصلح صولجان المُلك لأن يكون حارس بوّابة الحكمة الذهبية. ولا يصلح الملوك أنفسهم لأن يكونوا أكثر من "بهلول قش" يحرس حقول غرس أفكار الفلاسفة وحصاد حكمتهم.
***
كذلك لا يملك البسطاء نعمة الأفكار التي تكذب على نفسها: لا يملكون نعمة الأفكار التي تكذب على مشاعر صاحبها، والتي بها يكذب هو على نفسه. ولم يُقَدَّر أن تكون لهم نعمة الأفكار التي تكذب على الحقيقة من أجل الحياة.
الأفكار إرادة حياة.
أفسِّر: الأفكار، الغيبية منها بخاصّة، تسامٍ كاذب للمشاعر الصادقة. باختراع مدنٍ فاضلة وجناتٍ تجري من تحتها الأنهار، نحن نكذب على أنفسنا من أجل أن نتمكّن من الاستمرار في الحياة المليئة بالظلم، الغريبة، الخالية من كلّ معنى أصيل، والخاوية من كلّ حق وخير وعدل وجمال.
البسطاء أكثر صدقًا من الفلاسفة والأنبياء الذين يكذبون "الكذبة المقدَّسة" ويصدِّقونها! يكذبون "الكذبة البيضاء"، الكذبة المقدَّسة، كذبة المدائن الفاضلات والجنات المعلَّقات، من أجل مواجهة كذبة الحياة المدنسة، السوداء. يخترعون عالمًا آخر من أجل التمكُّن من العيش في هذا العالم، وهم لا يملكون الجرأة على النظر إلى الحياة كما هي.
أُلخِّص: الفلسفات الغيبيّة الخلاصية والأديان السماوية الأخروية، هي عدم جرأة على رؤية العالم كما هو. هي نقصٌ في الشجاعة الفكرية والإقدام المعرفي. هي لونٌ من ألوان الكذب على الذات.
أُلخِّص أيضًا: "الجنة" تسامٍ لجحيم العالم، و"السعادة الأبدية" هناك تسامٍ للعذابات الأبدية هنا.
الجنة "كذبة بيضاء" نتسامى بها فوق حقيقة العالم السوداء.
وقد يكون الله نفسه، كما نفهمه ونصوِّره، "كذبةً مقدَّسة" نتسامى بها فوق "شيطان" حقيقة مدنسة جاثمة على صدر الحياة.
خفافيش الأفكار مصّاصة الدماء
لا يتغذّى الأنا من الجشع وحسب، بل يغتذي من الأفكار أيضًا. والفكرة المتصلِّبة أنا متضخم.
في طبّ الأجسام: ثمّة علاقة بين تصلُّب الشرايين وتضخم القلب.
في طبّ النفوس: تصلُّب الأفكار يؤدّي إلى تضخم الأنا.
وكلّما كان الأنا متضخِّمًا، تكثر حاجته إلى أفكار أكثر تصلُّبًا.
***
الأفكار أثيرية، لكن الغلوّ فيها يُصنِّم نفوسنا ويجعل عقولنا قوالب من صخر.
***
الأفكار "المقدَّسة" تستعبدنا، والأفكار "الخالدة" تُصنم الحياة وتقتلها.
***
ثمة قبور لا تُرى هي قبور الأفكار الهَرِمة.
***
نحن أسرى أفكارنا! قلوبنا أسيرة بنات أفكارنا وعقولنا! منها، من أفكارنا، نستمدّ حياتنا وعلّة وجودنا رغم أننا نحن من أوجدها: نَحْسَب أننا نموت بموتها، نَحْسَب أن من يغتال أفكارنا إنما هو يغتالنا نحن، لأننا متماهون معها إلى حدّ سقوط كلّ جدار أو مسافة بيننا وبينها. وعندما تسقط أفكارنا صريعةً في صراع الأفكار، نسقط نحن في صراع الوجود! فنحن نستمدّ وجودنا المعنوي من أفكارنا. ومتى زالت، نَزُلْ: نفضل الموت الجسدي على الموت المعنوي الذي هو موت أفكارنا التي منها نستمدّ مكانتنا وحيثيّتنا، فنقتل في سبيلها بنشوةٍ عظيمة عاتية أو نُقتَل نحن في سبيلها بنشوةٍ أعظم وأدهى.
بهذا يصبح موتنا – قاتلين أو مقتولين – سبيلًا للتحرُّر!
يغدو الموت المادي الجسدي سبيلًا للتحرُّر من سلاسل الموت المعنوي الروحي في الحياة؛ هذا الموت النفسي الذي يسبِّبه موت أفكارنا في تنازع "أسباب البقاء": بقاء الأفكار. أو يغدو الموت الحسّي سبيلًا للتحرُّر من سلاسل الحياة نفسها، فنطلب الحياة المعنوية بالموت، وهذا ما نسمّيه الشهادة في سبيل أفكارنا.
ما الشهادة؟
هي تجسيد دموي، تراجيدي، كثيف لفكرة صارت أقوى منك، جيِّدةً كانت أم سيِّئة: فكرة تماهيتَ معها، تحيا بحياتها وتنتصر بانتصارها أو تموت معنويًا بسقوطها وموتها في صراع الأفكار! فكرة صارت حيّةً أكثر منك! فكرة باتت حياتها أهمَّ وأعظم من حياتك! فكرة لا تُحْيِيها أنت، بل هي التي تُحْيِيك أو تُميتك كعلّة وجودك أو موتك! فكرة تُحْيِيك بموتك وتُميتك لحياتها! فكرة هي بنتُ عقلك، فتحوَّلت إلى إله الحياة وشيطان الموت! فكرة ربَّيْتَها، لكنّها أصبحت الوحش الذي افترسك! فكرة هي بنتُ غاب أفكارك، لكنها صارت هي "مَلِك الغاب"! فكرة هي بنتُ حريّة عقلك، لكنها استعبدتك لتبيعك في سوق نخاسة الأفكار وأسواق الأجساد والأرواح! هي فكرة أليفة ربَّيْتَها، لكنها صارت برِّيةً متوحِّشةً كاسرة! فكرة هي مصّاصة دماء، وأولُّ دمٍ تشربه حتى الثمالة، وتلعقه بسَكَرٍ ونشوةٍ ما بعدهما سَكَرٌ ونشوة، هو دمك أنت حاملها: تظن أنك تحملها بعروقك وشرايينك الضاجّة بالحياة، لكن الحقيقة المفجِعة أنها هي التي تحمل كأس دمك وموتك.
***
الفيزياء الروحية: نظرية الحجم النسبي
تعال أخبرك هنا بشيءٍ لا تعرفه البتة: الحجم الخفيّ!
أجسام الكائنات والأشياء لها أشكالها المحدَّدة، أبعادها، حدودها. لكن كينونتها امتداد لا نهائي: الزهرة عطرُها جسمُها الأثيري، حجمُها الخفي اللامحدود، والذرّة جسمُها الطاقي لامحدود: الكونُ جسدُها اللامتناهي.
كل كينونة ولو لامتناهية في الصِغَر هي امتداد بسِعة الكون اللامتناهي الكِبَر: كل كينونة أخرى هي جسد، شكل، آخر لها.
أفسِّر: الجُسَيم الضوئي (photon) لأشعة الشمس، والذي لا وزن له، موجود في كل شجرة ونبتة وزهرة وحتى آخر بذرة يصلها تحت الأرض: كلّ هذه أجسامه.
***
يومًا ما سيبدأ العلم بدراسة نظريتي: نظرية الأحجام النسبية.
كيف يُقاس الحجم النسبي؟ بتأثيره، بمداه.
***
هذا شكلك: حيث يصل تأثيرك.
أنت امتداد. وكل ما تُشكِّله معنويًّا، فكريًّا وروحيًّا وعاطفيًّا، يُشكِّلك أي يكون شكلك: حجمك النسبي، شكلك الحقيقي.
***
لسنا أشكالًا، نحن طاقة.
***
حجم الشمس الفعلي ليس قرصها بل حيث يصل شعاعها.
فلسفة الحضارة
الحضارة الحقيقية ليست في العِلم فقط، بل بروحه أيضًا، أي الحكمة من المعرفة.
***
يعتقد البعض أن العِلم بديلٌ عن الفلسفة مثلما هو بديلٌ عن الدين! لقد تفلسفنا في كلّ شيء إلّا في العِلم: نحن بحاجة إلى فلسفة العِلم، وهي الغاية منه؛ مثل حاجتنا إلى فلسفة الدين، غايتنا منه.
***
فلسفة الدين ليست لاهوت الخلاص، بل لاهوت الارتقاء: ليست الخلاص من حياة الأرض بل الارتقاء بها.
كذلك فلسفة العِلْم: هي فلسفة الارتقاء بالحياة، وفيها.
العِلْم والفلسفة يلتقيان في فلسفتهما. كذلك الدين، في فلسفته يلتقي بفلسفة العِلْم والفلسفة.
***
فلسفة العِلم ليست اكتشاف قوانين الكون فقط، إنما هي فن وعِلم العيش وفقها.
***
الدين يقول إن قوانين الوجود هي قوانين إلهية، ثم يرفض الدين الوجود ويتنكّر له في سبيل العالم الآخر! أليس هذا تنكُّرًا لله؟!
تحديد جديد للدين (كما هو مفهوم) : الدين هو إنكار قوانين الكون الإلهية!
