مايا الخوري

مخزون لغوي وفضول وذاكرة

تنمية مواهب الأطفال كالنقش في الحجر

5 دقائق للقراءة
تنمية المواهب تزيد ثقة الطفل بنفسه

مرحلة الطفولة فرصة ذهبية لاكتشاف مواهب الأطفال، إذ تبدأ ملامح قدراتهم ومهاراتهم وملامح تميّزهم في السلوك والاهتمامات اليومية منذ سن مبكرة ما يستوجب في عصر تطوّرت فيه وسائل التربية والتعليم، الملاحظة والمتابعة والتوجيه.

يبصر كل طفلٍ النور حاملًا بذور مهارات دفينة يحتاج إلى اكتشافها وتنميتها بطريقة صحيحة ومن أهم المؤشرات التي تدل إلى وجود موهبة لديه هو التطور السريع والملحوظ على صعيد مخزونه اللغوي، وكيفية تعبيره بأسلوب غير متعارف عليه عند أقرانه. إضافة إلى فضولٍ مفرط يتمثل في كيفية طرحه الأسئلة التي تُعتبر أحيانًا ماورائية، ذات معانٍ تضمينية. وكذلك في طريقة تحليله المعلومات ونظرته إلى الأمور، فضلًا عن تميّزه بذاكرة متطوّرة جدًا تفسح في المجال أمام استرجاعه معلومة مكتسبة بهدف استخدامها. وأيضًا في سرعة اكتسابه المهارات والتعلّم. ويتمتع الطفل الموهوب بتحفيز داخلي عالٍ، لكنه حسّاس جدًا وانفعالي ومنجرف عاطفيًا، يملّ سريعًا من النشاط في حال لم يشعر بتحدٍ ذهني أو جسدي.

وتوضح جانيت الزوقي اختصاصية نفسية تربوية وتربية خاصة، الفارق ما بين الموهبة والهواية والاهتمام العابر لدى الطفل، فتقول إن الموهبة خُلقية تظهر في سن مبكرة يمكن تطويرها من خلال التركيز على مهارة تمّ دمجها بنشاطات معيّنة. أمّا الهواية، فهي اهتمام بنشاط معيّن رغب الطفل بتجربته، تتطوّر من خلال التمارين والنشاطات المتعلّقة بها. أمّا الاهتمام العابر، فهو عبارة عن اهتمام قصير الأمد بنشاط معيّن، شعر الطفل بفضول تجاهه، فجرّبه من دون رغبة مؤكدة في الاستمرار فيه.

وتضيف: "الموهبة جزء لا يتجزأ من الطفل يشعر بالحاجة إلى تطويرها وتنميتها وممارستها، تظهر بوضوح في الصعد كافة، أكاديميًا وفنيًا وإبداعيًا وذهنيًا. لا رابط بينها وبين الذكاء بل هي مرتبطة بالقدرة إمّا الجسدية أو الفنية أو الأكاديمية أو الذهنية"، مشيرةً إلى دور الأهل في اكتشاف الموهبة خصوصًا أن خصالها تظهر في سن مبكرة، لذلك يجب عدم كبْتها أو غض النظر عنها أو إهمالها، لافتةً إلى أن الطريقة الأولى لاكتشافها تكون عبر الملاحظة والمراقبة. وتقول: "إذا لاحظ الأهل ميلاً ظاهرًا عند الطفل يعبّر عنه دائمًا ويجعله مبدعًا ومتطورًّا ومرتاحًا مع ذاته، يجب التوجه إلى اختصاصي لإرشاد الطفل بطريقة إيجابية تصعيدية، فيطوّر الأهل هذه المهارة ما ينعكس إيجابًا على حياته إذ يكتشف نفسه أكثر وتزيد ثقته بنفسه وتتطوّر قدراته الاجتماعية".

وعن الوسائل المستخدمة لاكتشاف الموهبة تقول الزوقي: "ثمة وسائل كثيرة، أوّلها المراقبة والملاحظة، فإذا لاحظنا أن هذه الموهبة تتفاعل وتدفع الطفل إلى التطوّر والتركيز عندها ننتبه إلى وجودها وبالتالي يجب المباشرة بتطويرها وتنميتها، فنتوجه بداية إلى اختصاصيين يمتلكون تقنيات تفسح في المجال أمام كشف الموهبة وفق السن لنأخذ الإرشادات حول كيفية توجيهها بطريقة إيجابية".

وعن كيفية مساهمة المدرسة في هذا الإطار، تجيب: "يمكن أن تلحظ معلمة الروضة سلوك الطفل لتقويمه ما إذا كان سلبيًا أو إيجابيًا عبر أساليب تربوية معتمدة وذلك لأن الموهوب يملّ غالبًا في الصفّ ويشعر بأنه محصور. فيتم التواصل مع عائلته للتحقق من سلوكياته وما إذا كان موجّهًا بطريقة صحيحة. وبعدها تلعب المدرسة دورًا في تنمية موهبته وإرشاد الأهل نحو النشاطات المتوافرة فيها بعد انتهاء الدوام لإشراكه فيها".

أمّا أبرز المجالات التي تظهر فيها المواهب في سن مبكرة فهي الفن والرسم والرياضات والتمثيل وتصميم الملابس وخياطتها وعلى الصعيد الأكاديمي نلحظ الرياضيات الذهنية السريعة والعلوم والكتابة والقراءة المبكرة. وتتحدث الزوقي عن إيجابيات كثيرة في تنمية مواهب الطفل لجهة زيادة الثقة بالنفس وتعزيز نظرته الذاتية والتحفيزَين الداخلي والخارجي، إضافة إلى شعوره بسلام داخلي وتشجيعه على الاطلاع أكثر لاكتساب المعلومات حول موهبته واكتشاف زوايا مخفية بنفسه، فنراه واثقًا عند الانخراط الاجتماعي وعند التحدث عن مواهبه وقدراته وتطوّره. وكذلك تساهم الموهبة على الصعيد الأكاديمي في استخدام الذاكرة بطريقة صحيحة واكتساب المعلومات والتحليل والمنطق والقراءة والكتابة إضافة إلى تطوّر سريع في المخزون اللغوي.

من جهة أخرى، قد يؤدي تحمّس الأهل المبالغ فيه تجاه تميّز ولدهم عن سائر الأطفال إلى استعجالهم في تطوير موهبته من دون الأخذ بالاعتبار الضغط الذي يمارسونه عليه فيما لا يزال ذا قدرات محدودة قد تكون جسدية أو نفسية أو معنوية أو عاطفية أو ذهنية، فيسعى أن يكون إيجابيًا ومجتهدًا إرضاءً لأهله ما يفقده التحفيز الداخلي لصالح التحفيز الخارجي المترافق مع الخوف من الفشل ومن نظرة محيطه ومن ردّ فعل أهله. لذلك ننصح الأهل بعدم الانجراف المتهوّر الضاغط على الطفل.

تربية الشغف

يجب أخذ اهتمامات أطفالنا بالاعتبار وتشجيعهم على ممارسة ما يحبّون وتطوير مهاراتهم فنكون الداعم العاطفي والمعنوي والفكري والجسدي لهم. ومن المهم أيضًا إطلاعهم على سيرة أشخاص ناجحين جدًا تحدّوا الصعاب ولم يستسلموا بل على العكس ثابروا وطوّروا أنفسهم.

وتضيف الزوقي أنه من المهم أن يشعر الطفل بأن عائلته هي المرفأ والسند الحقيقي ويكون ذلك عبر التعبير عن ثقتهم فيه من دون مقابل أو شروط أو ردود فعل تجاه أي فشل محتمل، بل على العكس يبقى التواصل قائمًا بينهم، فيتعلّمون أن حياتهم منفصلة عن موهبتهم، وأن الحياة هي اكتشاف قدرات مخفية.

ويجب أن يدرك الأهل أن كل شيء في الحياة يحتاج إلى محطة استراحة وتوقف من أجل تقويم المرحلة بطريقة موضوعية وصحية من أجل الاستمرار في المسار الذي قطعته الموهبة فيتحقق التحفيز الداخلي والسلام الداخلي والقناعة بأنها ليست هواية أو اهتمامًا عابرًا لذلك يجب أن نعمل من أجلها.

جانيت الزوقي