يحكي لنا التاريخ قصة نجاح مبهرة سطّرها بإصرار فريق من 25 خبيرًا مصريًا خاضوا معركة سلمية في المحافل الدولية، ونجحوا في استعادة مدينة طابا إلى السيادة المصرية رغم العناد والتعنّت الإسرائيلي.
طابا هي مدينة مصرية ذات طابع جغرافي استراتيجي تقع على رأس خليج العقبة. بدأت فصول الخلاف بين مصر وإسرائيل في أواخر سنة 1981، حين رفضت إسرائيل الانسحاب وادّعت أن الأرض تعود لها. في المقابل، كانت تعليمات الرئيس المصري واضحة تمامًا للفريق الدبلوماسي: دراسة الملف بتأنٍ واحترافية قبل البدء بالمفاوضات، وإذا ثبتت مصرية الأرض، تكون المعركة دبلوماسية وقانونية لا عسكرية.
وبالفعل، تمكّن الفريق المصري من جمع الوثائق والمستندات التي تثبت مصرية الأرض، وخاض معارك دبلوماسية وقانونية في المحافل الدولية، إلى أن نجحت مصر في استعادة طابا وإعادتها رسميًا إلى سيادتها، من دون حرب، ومن دون دمار، بل عبر قوة الدولة ومؤسساتها ودبلوماسيتها.
انطلاقًا من هذه التجربة، ندرك أن لا حلّ في لبنان خارج إطار الشرعية اللبنانية، ولا مخرج للأزمات المتراكمة إلا عبر الدولة ومؤسساتها الدستورية. فلا حل في لبنان خارج إطار الجيش اللبناني، ولا حلّ إلا من خلال الدبلوماسية، لا منطق السلاح، ولا سياسة فرض الأمر الواقع.
فالخلاف القائم اليوم بين لبنان وإسرائيل، سواء في بعض النقاط الحدودية البرية أو في المسائل الجغرافية العالقة، هو نزاع قابل للمعالجة بالمنطق ذاته الذي اعتمدته مصر في قضية طابا: توثيق، قانون دولي، مفاوضات، ورعاية أممية. أما الإصرار على بقاء السلاح خارج سلطة الدولة، فلم يؤدِّ تاريخيًا إلى حماية لبنان أو تسريع أي انسحاب إسرائيلي، بل كان في محطات عديدة سببًا مباشرًا في توسيع دائرة المواجهة، وتقديم الذرائع للاعتداء والتدخل.
لقد أثبتت التجربة أن وجود سلاح "حزب الله" لم يكن مدخلاً لحلّ أي مشكلة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، بل على العكس، شكّل عاملاً أساسيًا في إدخال إسرائيل إلى الأراضي اللبنانية وفي تعقيد النزاع. فالسلاح الخارج عن إطار الدولة لم يحرّر الأرض، ولم يحمِ السيادة، بل جرّ لبنان إلى حروب مدمّرة وعزلة سياسية واقتصادية.
في المقابل، فإن نزع هذا السلاح وحصر القرار العسكري والأمني بيد الدولة اللبنانية يفتح الباب أمام مسار مختلف كليًا: مسار تفاوضي، دبلوماسي، سلمي، قادر على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي ضمن أطر الشرعية الدولية، لا عبر الحروب المفتوحة التي يدفع ثمنها اللبنانيون وحدهم.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن التدخلات الإقليمية، ولا سيما الدور الإيراني في دعم "حزب الله" وتوظيف الساحة اللبنانية في صراعات تتجاوز المصلحة الوطنية. فلبنان لا يمكن أن يكون دولة سيدة مستقلة طالما يُستخدم كورقة تفاوض أو كساحة صراع لمشاريع خارجية لا علاقة لها بأمنه أو مستقبله.
في هذا السياق، تبرز أهمية عودة الدبلوماسية اللبنانية إلى موقعها الطبيعي، وهو ما يُسجَّل إيجابًا في مواقف وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الذي أعاد للسياسة الخارجية اللبنانية حضورها السيادي ولغتها الهادئة والواضحة في الدفاع عن مصلحة الدولة، في خطّ يعيد إلى الأذهان مدرسة الدبلوماسية اللبنانية التي قادها الكبير شارل مالك.
لبنان، الذي كان البلد العربي الوحيد الذي شارك في إعداد وصياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من خلال شارل مالك، لطالما كانت الدبلوماسية احترافه الأول وسلاحه الأخير، قبل أن يُدفع قسراً إلى منطق السلاح والحروب.
فهل يتعلّم لبنان من تجربة طابا؟
وهل يختار أخيراً طريق الدولة، والمؤسسات، والدبلوماسية، والسلام، بدل السلاح، والعزلة، والحروب العبثية؟