بعد النجاح اللافت الذي حصدته مسرحية «وسكتت ... عن الكلام المباح»، يعود الكاتب والمخرج والممثل عصام بو خالد مع طاقم العمل: برناديت حديب، شربل عون، أحمد الخطيب، وعلي بليبل، لتجديد الموعد مع الجمهور على خشبة «مسرح دوّار الشمس» - بدارو، في عروض بين 15 و18 كانون الثاني الجاري. عمل مسرحيّ يلامس جرحًا إنسانيًا عميقًا ويضيء الكشافات على قضية العنف الأسري، حيث تتحوّل الخشبة إلى مساحة اعتراف وصمت ثقيل، وصوت لكل امرأة أُنهكت وعُنِّفت وقُتِلت ظلمًا، خلف الجدران المغلقة.
تجسّد الممثلة برناديت حديب شخصية صادمة ومركّبة، هي «الجثة» التي ترقد في غرفة المشرحة بانتظار عدالة تأخرت كثيرًا، بعد حياة قاسية ذاقت فيها شتى أشكال العنف على يد زوجها الذي يؤدّي دوره عصام بو خالد، في صورة رجلٍ نرجسي وذكوري يختصر اختلالًا عميقًا في موازين السلطة والعنف داخل الأسرة.
المسرحية عادت مجدَّدًا إلى الخشبة استجابةً لمطالبات واسعة من الجمهور، تقول بَطلَتها الممثلة برناديت حديب لـ «نداء الوطن»، «الإقبال الجماهيري الكبير والرغبة المتكرّرة في إعادة مشاهدة العمل شكّلا الدافع الأساسي لإعادة العرض، لا سيّما أن المسرحية تلامس قضية اجتماعية حسّاسة ومستمرة، هي العنف ضد المرأة». وتضيف حديب مؤكّدةً أن «هذا العمل ينبغي أن يُعاد كل فترة، لأن العنف لا ينتهي، ولأن ثمّة نساء كثيرات لا يملكن صوتًا، فيسكتن عن الكلام والألم والتعنيف، لأسباب متعددة».
بهذا المعنى، لا تأتي عودة «وسكتت ... عن الكلام المباح» كتكرار، بل كإصرار على المواجهة وإبقاء الضوء مسلّطًا على واقعٍ ما زالت كثيران يفضلن الصمت حياله.
تعديلات لا تمسّ الجوهر
حول أدائها دور «الجثة»، توضح حديب أن مقاربتها للشخصية لم تشهد أي تبدّل بين العروض الأولى والعروض المرتقبة، معتبرةً أن بناء الشخصية يبدأ لديها قبل الصعود إلى الخشبة بوقت طويل، عبر مراحل مكثفة من التحضير والتدريب والدراسة. هذا المسار، بحسب قولها، يفضي إلى شخصية «محبوكة بدقة»، تصل إلى الجمهور مكتملة الملامح، ولا تستدعي تعديلًا أو إعادة نظر بعد العرض.
وتضيف حديب أن الأعمال المسرحية التي تجمعها بالمخرج عصام بو خالد تخضع، بعد العرض الأوّل، لقراءة دقيقة لتفاعل الجمهور، إلّا أن أي تعديلات تُجرى لاحقًا تظلّ محصورة في الإطار الإخراجي، من دون المساس ببُنية الشخصيات أو مساراتها الدرامية، حرصًا على الحفاظ على صدقية العمل ووضوح رسالته الفنية والإنسانية.
الحياة الفنية
على صعيد آخر، تستعيد برناديت حديب في حديثها مع «نداء الوطن» بداياتها الفنية التي انطلقت من بوابة الرقص، كمحترفة ضمن «فرقة فهد العبدالله» للفنون الشعبية اللبنانية.
تلك التجربة شكّلت، بحسب قولها، الحافز الأساسي للاستمرار في المجال الفني، وفتحت أمامها الطريق لصقل موهبتها عبر دراسة التمثيل أكاديميًا في «كلية الفنون الجميلة».
ومع السنوات تراكمت الخبرة واتسع الوعي الفني، إيمانًا منها أن التطوّر في التمثيل عملية مستمرة لا تتوقف عند حدود الجامعة، بل تتطلب تعلّمًا دائمًا، ما ساعدها على إدراك قيمتها الفنية واختيار أدوار تحمل المعنى والجوهر.
أدوار راسخة
تسترجع برناديت حديب أدوارها التي تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة الجمهور، مشيرةً إلى أنها ليست مجرّد أعمال فنية، بل محطات شكلت نسيج مسيرتها ووضعت بصمتها الخاصة في الذاكرة المسرحية والعربية. من بينها مشاركتها الأولى في مسرحية «العصافير» للمخرج روجيه عساف.
وتستمر رحلة أعمالها المميزة مع الفنان الكبير دريد لحّام في مسرحيّتَي «العصفورة السعيدة» و «صانع المطر»، اللتين لم تعرفا نجاحًا محليًا فحسب، بل امتدت أصداؤهما إلى الجمهور العربي ككل، ما منحها فرصة تثبيت حضورها الفني وإبراز عمقها في تجسيد الشخصيات المعقدة والمتعددة الأبعاد.
أما الدَّور الأكبر الذي صار علامة فارقة لدى الجمهور، فهو شخصيّة «نورا» التي أدتها في مسلسل «عودة غوار». شخصيّة اكتسبت حياة مستقلة بعد نهاية العمل، وظل اسمها يرنّ في أرجاء الصفوف وخارج الشاشات، حيث يتذكّرها الجمهور ويحيّيها بحرارة كلما التقى بها، كأنها شخص حيّ يعيش معهم منذ سنوات.
السينما انتشار أوسع
على الصعيد السينمائي، شكّل فيلم «لما حكيت مريم» محطة فارقة في مسيرة برناديت حديب، بحسب تعبيرها، إذ أتاح لها الوصول إلى جمهور أوسع، وخصوصًا النساء اللواتي وجدن في قصّة الفيلم صدى لتجاربهن وأوجاعهن. تقول حديب إن هذا العمل ترك بصمة عميقة في نفوس المشاهدين، حتى أن العديد من النساء تواصلن معها بعد عرضه، وبعض النساء طلبن نصيحتها في مواجهة تحدياتهن الزوجية، ما أضفى على الفيلم بعدًا إنسانيًا حيًّا، جعل الرسالة تتجاوز حدود الشاشة لتصل مباشرة إلى قلوب المشاهدين.
المسرح أولًا
لكن رغم انخراطها في السينما والتلفزيون، لا تزال برناديت حديب تؤكد أن المسرح هو الأساس والبيت الحقيقي لمسيرتها الفنية. فالخشبة ليست مجرّد مساحة عرض، بل عالم حيّ ينبض بالحياة، حيث يتحوّل الجسد والصوت والنص والحركة إلى لغة متكاملة للتعبير عن أعمق المشاعر الإنسانية.
وتضيف أن المسرح يمنحها التفاعل المباشر والفوري مع الجمهور، تجربة لا تضاهيها أي كاميرا أو شاشة، مهما بلغت قيمتها الفنية. ففي المسرح، كل نظرة، كل حركة، كل نفس من الممثل، يجد صدى له في عيون المُشاهدين، وتتحوّل العلاقة بين الفنان والجمهور إلى حوار حيّ بالانفعالات، بالتجاوب، وبالصدق الذي يولّد اللحظة تلو الأخرى.
المسرح إذًا بالنسبة للممثلة برناديت حديب، تجربة تجعل كل عرض جديد فرصة لولادة متجددة، وتشعرها أنها في بيتها بين جمهورها، حيث تولد كل شخصية بحياتها الكاملة على الخشبة.
اختيار الأدوار
أما في ما يتعلّق بمعايير اختيارها للأدوار، فتوضح برناديت حديب ميلها إلى النصوص التي تحمل قيمة فنية ورسالة اجتماعية، وتسلّط الضوء على قضايا طارئة. أما على مستوى الأداء، فهي تفضل ما تسميه «السهل الممتنع»، أي الشخصيات التي تُقدَّم بصدق وبساطة ظاهرية، لكنها تحمل عمقًا إنسانيًا يجعل الجمهور يتماهى معها، يتعاطف معها، ويحفظها في ذاكرته.
مشروع مؤجّل
من جهة أخرى، تكشف حديب عن حلم يراودها منذ فترة، يتمثل في تقديم عمل مسرحي للأطفال. ورغم أنها لا تعمل حاليًا على هذا المشروع، إلا أنه يبقى هدفًا فنّيًا مؤجّلًا لها.
وهكذا، من خلال مسيرة الممثلة برناديت حديب المتنوّعة واختياراتها الواعية، يتأكد مرّة جديدة أن الفن قادر على كسر الصمت ومنح الصوت لمن لا صوت له.

