بعد معركة مدينة حلب بين قوات دمشق و"قسد" التي أفضت إلى خروج الأخيرة من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، تسعى دمشق إلى استكمال حملتها العسكرية على "قسد" في محافظة حلب، حيث انتقلت جبهة المواجهة بين الطرفين إلى بلدتي دير حافر ومسكنة ومحيطهما في الريف الشرقي للمحافظة. وأعلن الجيش السوري المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة" أمس، مدعيًا أن ذلك جاء بعد "استمرار تنظيم "قسد" بحشد مجاميعه مع ميليشيات "بي كاي كاي" الإرهابية وفلول النظام البائد في المنطقة، ولكونها منطلقًا للمسيّرات الانتحارية الإيرانية التي قصفت مدينة حلب". وطالب الجيش جميع المسلّحين في هذه المنطقة بالانسحاب إلى شرق الفرات.
في السياق، أفاد مصدر عسكري لوكالة "سانا" بأن الجيش السوري "أفشل محاولة عناصر تنظيم "قسد" تلغيم وتفجير الجسر الواصل بين قريتي رسم الإمام ورسم الكروم قرب دير حافر في شرق حلب"، مشيرًا إلى أن الجيش "يستهدف مواقع تنظيم "قسد" في محيط مدينة دير حافر بقذائف المدفعية، ردًا على استهداف الأخير لمحيط قرية حميمة بالطائرات المسيّرة". وذكر أن الجيش السوري "صد محاولتي تسلل لتنظيم "قسد" في ريف الرقة الشمالي على جبهتي انتشار (الصليبي، المشرفة)". واتهمت الطاقة السورية، "قسد"، بالاعتداء على منشآت مائية في ريف حلب، محذرة من تداعيات خطرة قد تقود إلى كارثة إنسانية وزراعية في المنطقة.
في المقابل، أوضحت "قسد" أنه "في إطار تصعيدها المستمر، استهدفت فصائل حكومة دمشق منازل المدنيين في قريتي رسم كروم والإمام الواقعتين في شمال شرق مدينة دير حافر، حيث جرى قصفها بالأسلحة الثقيلة، إضافة إلى تنفيذ هجومين منفصلين بالطائرات المسيّرة الانتحارية"، مشيرة إلى أن "فصائل حكومة دمشق استهدفت بلدة دير حافر بقذائف المدفعية"، كما أفادت بأن قوات دمشق "هاجمت محيط سد تشرين مرتين بالطيران الانتحاري والقصف المدفعي، تزامنًا مع استهدافها قرية "أم المرة" في جنوب دير حافر بالصواريخ".
توازيًا، أكدت مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلهام أحمد، ضرورة "توضيح الحكومة الأميركية موقفها من الحكومة السورية التي ترتكب مجازر بحق شعبها"، مشدّدة على أنه "نحن مع الحوار والاستمرار بالمفاوضات، لكن يجب وقف الهجمات وضمان حماية شعبنا في حلب وعفرين". واعتبرت أن "الحكومة هي المسؤولة الكبرى عن عدم تطبيق اتفاق 10 آذار"، محذرة من أن "الأحداث الجارية في سوريا تشكل خطرًا على البلاد والمنطقة وستزيد التدخلات الخارجية".
وسط هذه الأجواء، خرج آلاف الكرد في مسيرة تحت المطر في مدينة القامشلي في شمال شرق سوريا أمس، للاحتجاج على طرد المقاتلين الكرد من مدينة حلب الأسبوع الماضي بعد أيام من الاشتباكات الدامية. وحمل المتظاهرون لافتات تحمل شعارات القوات الكردية وصور لوجوه المقاتلين الكرد الذين لقوا حتفهم في المعارك وفجر بعضهم أحزمة ناسفة مع اقتراب قوات دمشق منهم. وظهرت على ملصقات أخرى وجوه الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان عليها حرف "إكس" باللون الأحمر وتحمل عبارة "قتلة الشعب الكردي". واعتبر رئيس مجلس الأديان والمعتقدات في شمال شرق سوريا حسن محمد، الذي شارك في الاحتجاجات، أنه "إذا كانوا يحبّون الكرد حقًا، وإذا كانوا يقولون بصدق إن الكرد مكوّن رسمي وأساسي في سوريا، فيجب الاعتراف بحقوق الشعب الكردي في الدستور".
على صعيد آخر، أكد الزعيم الروحي لدروز سوريا الشيخ حكمت الهجري، خلال مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية نُشرت أمس، أنه "لا يوجد الآن أي تواصل على الإطلاق مع نظام دمشق"، محذرًا من أن "أي شخص يتعامل مع هذا النظام سيسهل على الجهاديين دخول بلاده". وعند سؤاله عن رؤيته للمستقبل، حسم الهجري أنه "نرى أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من الإطار الاستراتيجي لإسرائيل، كذراع تحالفت مع إسرائيل، العلاقة دولية وهامة، إسرائيل هي الفاعل الوحيد المسؤول والكفؤ لترتيبات المستقبل". وأوضح أن المطلب المركزي هو "الاستقلال الكامل" لمحافظة السويداء، مع إمكانية المرور بمرحلة انتقالية من الحكم الذاتي تحت إشراف طرف عربي خارجي، ورأى أن إسرائيل يمكن أن تلعب أيضًا هذا الدور، جازمًا بأن "سوريا تتجه نحو التقسيم وإقامة مناطق مستقلة وحكم ذاتي، هذا هو المستقبل، وبهذه الطريقة سيجري بناء مستقبل أفضل للأقليات واستقرار إقليمي في أنحاء الشرق الأوسط".
واعتبر الهجري أن "الجريمة الوحيدة التي قُتلنا بسببها هي أننا دروز"، في إشارة إلى المجازر الطائفية التي أدمت محافظة السويداء في تموز الماضي، متهمًا حكومة دمشق بأنها "على نمط" تنظيم "داعش" الإرهابي وبأنها "أقيمت بوصفها امتدادًا مباشرًا" لتنظيم "القاعدة" الإرهابي. ولفت إلى أنه "ليس سرًا أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة في العالم التي تدخلت عسكريًا وأنقذت حياتنا من الإبادة بينما كانت تحدث". ورأى أن "إسرائيل دولة تحكمها القوانين والمعايير الدولية، وهذه هي الأيديولوجيا التي نطمح إليها"، في حين أعرب عن خيبة أمل عميقة من العالم العربي.
وأشار الهجري إلى أنه "منذ تموز 2025، نعيش في حالة تعبئة كاملة"، موضحًا أن "الشباب وكبار السن على السواء مجندون للدفاع عن بيوتنا وعن وجودنا". وتحدّث عن أن هناك اهتمامًا شعبيًا كبيرًا بالانضمام إلى "الحرس الوطني"، الذي جرى تشكيله لتنظيم المجموعات الدرزية المسلحة في السويداء تحت راية واحدة. وأكد وجود روابط استراتيجية مستمرة مع "قسد"، وقد مدح أداءها المدني والأمني.