شوقي سري الدين

الدولة المتمردة على النظام الدولي: من وهم العدالة إلى مأزق العزلة

5 دقائق للقراءة

تولد "الدولة المتمردة" عادةً من رحم ثورة كبرى، ترفع في بداياتها شعارات العدالة الاجتماعية، وإنصاف المظلومين، وكسر منظومات الهيمنة الداخلية والخارجية. غير أن هذه الثورة، ما إن تستقر في السلطة، حتى تعيد تعريف شرعيتها على قاعدة شعبوية مغلقة، تُصوِّر نفسها ممثلًا حصريًا لإرادة الشعب، وتُعلن عداءها الصريح للنظام الدولي القائم، بوصفه نظامًا جائرًا تقوده "الرأسمالية الغربية"، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية.


في هذا التصور، لا يُقدَّم الصراع مع النظام العالمي باعتباره خلافًا سياسيًا أو تنافسًا على المصالح، بل بوصفه معركة أخلاقية كونية بين "الحق" و"الظلم"، وبين "الشعوب المقهورة" وقوى "الهيمنة والاستكبار". وهكذا يتحول العداء للنظام الدولي من خيار قابل للمراجعة، إلى عنصر تأسيسي في هوية الدولة، بل إلى شرط من شروط بقاء النظام الحاكم نفسه.


التمرد في زمن الحرب الباردة: حماية الأيديولوجيا

شهد القرن العشرون، ولا سيما خلال "الحرب الباردة"، موجات متتالية من الثورات في العالم الثالث، تموضعت في معظمها ضمن "المعسكر الاشتراكي" بقيادة الاتحاد السوفياتي. من أميركا اللاتينية إلى آسيا وأفريقيا، برزت أنظمة ثورية ماركسية أو متأثرة بالماركسية، رأت في الصراع مع الولايات المتحدة امتدادًا طبيعيًا لمعركتها ضد الاستعمار والبورجوازية المحلية.


لم يكن هذا التمرد مكلفًا آنذاك بالمعنى الوجودي. فقد وفر الاتحاد السوفياتي لهذه الأنظمة غطاءً سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، وأنتج معها توازنًا دوليًا حدّ من قدرة الولايات المتحدة على إسقاطها أو خنقها اقتصاديًا. والأهم أن الأيديولوجيا الماركسية، بطابعها الأممي، شكّلت إطارًا ناظمًا للعلاقات داخل "المعسكر الاشتراكي"، حيث لم تكن المصالح الوطنية الضيقة هي المحدِّد الأول، بل الانتماء العقائدي والصراع المشترك ضد الرأسمالية والإمبريالية.


في ظل هذه المظلّة، تمتعت الدول "المتمردة" بدرجة من الاستقرار السياسي، وبحدٍ أدنى من الاستقرار الاقتصادي وفق المعايير الاشتراكية، رغم إخفاقاتها البنيوية العميقة. انهار هذا البناء مع تفكك الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينات القرن الماضي، ودخول العالم مرحلة "الأحادية القطبية" بقيادة الولايات المتحدة. فجأة، وجدت الأنظمة الثورية السابقة نفسها مكشوفة، بلا حليف أيديولوجي، وبلا نظام دولي بديل تستند إليه.


كان أمامها خياران واضحان: التكيّف مع النظام الدولي الجديد، أو الاستمرار في التمرد باسمه القديم ولكن في عالم تغيّر جذريًا. اختارت معظم هذه الأنظمة الخيار الثاني، لا بدافع القوة، بل بدافع الخوف من فقدان شرعيتها الداخلية إذا ما تخلّت عن خطاب "المواجهة". هكذا أُعيد تصنيف هذه الدول بوصفها "دولًا مارقة" أو "متمردة" على النظام العالمي، ففرضت عليها عقوبات اقتصادية قاسية، وعُزلت دبلوماسيًا، وتدهورت أوضاعها المعيشية، من دون أن تمتلك في المقابل أدوات حقيقية لتغيير ميزان القوى الدولي.


الاستثناء الإيراني: ثورة دينية

يبرز النظام الإيراني بوصفه حالة خاصة. فهو لم يولد من رحم الماركسية، بل من ثورة دينية إسلامية شيعية، إلا أنه التقى مع خطاب التمرد الاشتراكي عند نقطة مركزية واحدة: ادعاء احتكار مفهوم العدالة، وتحويل الصراع مع الغرب إلى صراع وجودي لا سياسي. غير أن هذا التلاقي كان ظرفيًا. فبانهيار المعسكر الاشتراكي، بقيت إيران وحيدة خارج أي منظومة حماية استراتيجية حقيقية، واضطرت إلى بناء تحالفات براغماتية مع قوى لا تشاركها عقيدتها، بل مصالحها فقط، ناهيك عن أذرعها في دول عديدة.


مع استمرار تمرد هذه الدول، لجأت إلى قوى صاعدة أو عائدة مثل الصين وروسيا، بحثًا عن شرعية سياسية ودعم دولي. غير أن العالم الذي نشأ في العقدين الأخيرين ليس عالم أيديولوجيات، بل عالم قوى قومية صلبة. فروسيا اليوم دولة قومية تُدار بمنطق النفوذ والمصالح، لا بمنطق الالتزام العقائدي. والصين، رغم حكم "الحزب الشيوعي"، تعمل كقوة اقتصادية عالمية براغماتية تسعى إلى الاستقرار والأسواق لا إلى تصدير الثورة. دعمُهما لكوريا الشمالية، مثلاً، لا ينبع من تعاطف مع شعبها، بل من اعتبارها أداة ردع في مواجهة الولايات المتحدة.


أما كوبا، فقد تُركت لمصيرها تحت وطأة العقوبات. وإيران وفنزويلا، الغنيتان بالطاقة، وجدتا نفسيهما مضطرتين لبيع مواردهما بأسعار مخفضة، مقابل دعم سياسي هش لا يرقى إلى مستوى الحماية. فعندما تعرضت إيران لضربات مباشرة، أو حين واجهت فنزويلا أزماتها الحادة، لم يتجاوز رد فعل موسكو وبكين حدود الإدانة اللفظية.


ما بعد أوكرانيا وغزة: انكشاف الوهم

جاءت حرب أوكرانيا، ثم حرب غزة، لتكشفا بوضوح طبيعة النظام الدولي الراهن. فهو ليس نظام عدالة، لكنه أيضاً ليس نظامًا ثوريًا قابلًا للكسر بالشعارات. إنه نظام قوى، تحكمه موازين الردع، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والتحالفات المرنة.

في هذا العالم، لا مكان لتمرد رمزي بلا قدرة، ولا لقوى تتحدّى النظام الدولي من دون مشروع بديل قابل للحياة. حتى الصين، الخصم الأكبر للولايات المتحدة، لا تسعى إلى إسقاط النظام العالمي، بل إلى إعادة تشكيله من الداخل.


رغم كل هذا التحول، تستمر الأنظمة "المتمردة" في تسويق خطاب مفاده أن "العالم يعاديها"، وأنها ضحية مؤامرة دائمة. غير أن هذا الخطاب لم يعد أداة تغيير، بل آلية بقاء للسلطة، تُستخدم لتبرير الفشل الاقتصادي، وقمع الداخل، وتدوير الأزمات. فالتمرد حين ينفصل عن القدرة، يتحول من موقف سياسي إلى عبء تاريخي على الشعوب.


يبقى السؤال الجوهري: ماذا جنت هذه الدول من تمردها المستمر على نظام دولي تغيّر بالكامل؟ هل حصدت غير الفقر، والعزلة، وتهجير شعوبها؟ وإلى متى يمكن بيع شعارات العدالة في عالم لا يعترف إلا بموازين القوة والمصالح؟. ربما لا تكمن المأساة في معاداة النظام العالمي بحد ذاته، بل في التمرد بلا مشروع، والمواجهة بلا أدوات، والعدالة بلا سياسة.