لم يأتِ شتاء هذا العام في أوكرانيا كمجرّد فصل بارد وقاسٍ، بل تحوّل إلى امتداد مباشر للحرب، وإلى أداة ضغط وتعذيب جماعي استُخدم بوحشية ضد المدنيين.
ففي ذروة موسم الأعياد، وبينما كانت العائلات تحاول التمسك ببقايا الحياة الطبيعية، جاءت الضربات الروسية الصاروخية والمسيّرة لتستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية، فتُغرق مدنًا وقرى كاملة مثل كييف ودنيبرو في ظلامٍ وبردٍ في آن واحد، وفي توقيت لم يكن عبثيًا ولا عشوائيًا.
الهجمات ركّزت بشكل واضح على محطات توليد الكهرباء، شبكات النقل والتوزيع، ومحطات التحويل الرئيسية، ما أدى إلى انقطاعات واسعة ومطوّلة للتيار الكهربائي في مناطق عديدة. ومع انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، تحوّل انقطاع الكهرباء من أزمة خدمية إلى معاناة وجودية، حيث يعني غياب الكهرباء غياب التدفئة، والمياه الساخنة عن اكثر من مليون منزل، وكل ما يجعل الحياة ممكنة في الشتاء.
في بيوت كثيرة، جلس الناس بملابسهم الشتوية الثقيلة، ينامون بمعاطفهم، ويجمعون أفراد العائلة في غرفة واحدة لتقليل فقدان الحرارة.
الأعياد هذا العام لم تحمل زينة ولا أضواء، بل حملت صمتًا طويلًا وبردًا قاسيًا.
ناتاليا كيريتشينكو، (أم لطفلين من كييف، زوجها جندي يقاتل في شرقي أوكرانيا) ، تقول إن الأيام التي يفترض أن تكون مخصصة للاجتماع العائلي تحولت إلى ليالٍ من الترقب والخوف، حيث كانت الأسرة تنتظر عودة الكهرباء لا للاحتفال، بل فقط كي لا يتجمد الأطفال أثناء النوم.
في مدن أخرى، مثل دنيبرو، بدت الحياة اليومية مشلولة بالكامل.
أوليكسي فيديرنكو، (73 عامًا متقاعد من دنبيرو)، يصف كيف أصبح انقطاع الكهرباء يعني توقف كل تفاصيل الحياة دفعة واحدة، من التدفئة إلى الطهي، وحتى القدرة على التواصل مع الأقارب. يقول إن البرد لم يكن يأتي فقط من الخارج، بل كان يتسلل من الجدران نفسها، وكأن المنازل فقدت قدرتها على حماية ساكنيها.
المعاناة لم تقتصر على البيوت. المستشفيات اضطرت إلى العمل على مولدات طوارئ محدودة، وسط ضغط كبير وخوف دائم من نفاد الوقود أو تعطل الأجهزة. الطواقم الطبية عملت في ظروف استثنائية، واضطرت إلى إعطاء الأولوية للحالات الحرجة فقط. في الوقت نفسه، علّقت مدارس عديدة دوامها أو قلّصته، ليس بسبب القصف المباشر، بل لأن الصفوف أصبحت غير صالحة للبقاء فيها لساعات، مع غياب التدفئة والكهرباء في أبرد أيام السنة.
الضربات على البنية التحتية تركت أثرها أيضًا على شبكة النقل، وتحديدًا السكك الحديدية، التي تُعد شريانًا حيويًا في بلد يعتمد عليها لنقل المدنيين والبضائع. انقطاع التيار الكهربائي عن الخطوط الكهربائية أدى إلى توقف عدة قطارات في مناطق مفتوحة لساعات طويلة وسط السهول المتجمدة في وسط أوكرانيا.
داخل العربات، خفتت الإضاءة وتعطلت أنظمة التدفئة، وبقي الركاب عالقين لساعات في ظروف قاسية.
سيرهي جمورا، (طالب جامعي) كان على متن أحد القطارات الذي توفق لـ4 ساعات ، يروي كيف شعر الركاب بأن الحرب وصلت إليهم داخل العربة نفسها، حين توقف القطار فجأة وسط العتمة والبرد.
أما إيرينا غاركوشوفا، (عاملة في خدمة القطارات) ، تقول إن الخوف كان يفوق الإحساس بالبرد، لأن التوقف في منطقة مفتوحة، بلا معلومات واضحة، جعل الجميع يشعر بأنه متروك لمصيره في قلب الشتاء.
في القرى، حيث البدائل شبه معدومة، كانت المعاناة أشد قسوة. انقطاع الكهرباء هناك يعني شللًا كاملًا للحياة اليومية. أعياد بلا إنارة، بلا تدفئة، وبلا قدرة حتى على تسخين الطعام أو شحن هاتف للاطمئنان على الأقارب. ومع ذلك، حاول السكان تعويض الغياب الرسمي بالتضامن، ففُتحت مراكز عامة كمحطات تدفئة مؤقتة، وتقاسم الجيران الحطب والبطانيات، في محاولة لحماية كبار السن والأطفال من البرد القاتل.
في الخلفية، يعمل موظفو قطاع الطاقة في سباق مع الوقت وتحت ظروف بالغة الخطورة. ميكولا كرافتشوك، أحد العاملين في إصلاح الشبكات، يقول إنهم يعملون لساعات طويلة في درجات حرارة متدنية، تحت تهديد القصف أحيانًا، مدركين أن كل دقيقة تأخير تعني بقاء عائلة أخرى بلا تدفئة أو كهرباء. ويضيف أن البرد لا يؤذي البشر فقط، بل يضاعف الأعطال التقنية، ما يجعل المهمة أكثر تعقيدًا وخطورة.
ما يجري في أوكرانيا هذا الشتاء لا يمكن اعتباره مجرد أضرار جانبية لحرب. استهداف البنية التحتية للطاقة في ذروة الشتاء هو نهج واضح، يهدف إلى إنهاك المجتمع وكسر صموده، وتحويل البرد والظلام إلى وسيلتي ضغط نفسي وجسدي على المدنيين. خلال فترة الأعياد هذا العام، لم تُقصف المدن وحدها، بل قُصفت فكرة الحياة الطبيعية نفسها، وتحول الشتاء إلى ساحة حرب مفتوحة ضد السكان.
في هذا الشتاء، لم يكن السؤال في أوكرانيا كيف يمكن الاحتفال، بل كيف يمكن النجاة، ليلة بعد أخرى، في بلد يقاتل ليس فقط على الجبهات، بل أيضًا في البيوت، وفي القطارات المتوقفة وسط الجليد.