العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

احتكار القوة في لبنان: بين الغموض وفشل الدولة

5 دقائق للقراءة

يثير تقرير الجيش حول المرحلة الأولى من مسار احتكار الدولة للقوة، إلى جانب مقابلة رئيس الجمهورية التلفزيونية بتاريخ 11 كانون الثاني 2026، نقاشًا وطنيًا مشروعًا حول مسار استعادة الدولة سيادتها. هذا النقاش لا ينطلق من التشكيك في نيات الرئاسة أو قيادة الجيش، بل من طرح سؤال أساسي بات لا مفر منه: كيف يمكن الانتقال من إدارة التوازنات القائمة إلى بناء دولة تحتكر وحدها استخدام القوة، ضمن نظام سياسي أثبت عجزه عن تحقيق هذا الهدف؟

من المهم التأكيد منذ البداية على الاحترام الكامل لرئيس الجمهورية جوزاف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، وعلى الثقة بنزاهتهما وبإيمانهما الصادق بمبدأ سيادة الدولة واحتكارها للعنف. كما لا يمكن إلا التذكير بأن الجيش اللبناني لا يزال الركيزة الوطنية الأكثر تماسكًا، والعنصر الأساسي في منع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة.

انطلاقًا من ذلك، يمكن قراءة ما ورد في تقرير الجيش وما عبّر عنه الرئيس لا كتنصّل من قرارات الحكومة الصادرة في 5 آب 2025 أو من القرارات الدولية ذات الصلة، بل كخيار براغماتي محسوب. يقوم هذا الخيار على إدارة توازن داخلي بالغ الحساسية، والسعي إلى تحقيق تقدم تدريجي و"بالنقاط" على "حزب الله" وحركة "أمل"، بدلًا من الذهاب إلى مواجهة مباشرة أو "بالضربة القاضية".

في هذا السياق، يندرج مفهوم "السيطرة العملياتية" كتعبير عن مقاربة تهدف إلى توسيع هامش حركة الدولة وتعزيز حضور الجيش على الأرض، من دون اللجوء إلى قرارات صدامية قد تؤدي إلى انفجار داخلي. وبهذا المعنى، يمكن فهم الغموض في بعض التعابير كأداة لإدارة مرحلة انتقالية دقيقة، لا كإنكار لمبدأ احتكار الدولة للقوة.

غير أن هذه البراغماتية، على واقعيتها، تصطدم بحدود يفرضها النظام السياسي نفسه. فالفرق يبقى كبيرًا بين إدارة واقع قائم وتغييره جذريًا. فـ "السيطرة العملياتية"، مهما توسعت، لا ترقى إلى سيطرة حصرية طالما بقي السلاح خارج إطار الدولة، واستمرت الشبكات اللوجستية والاقتصادية الموازية، وبقيت الحدود عرضة للتهريب. الإقرار بإمكان وجود مخابئ سلاح غير مكتشفة جنوب الليطاني، يعكس واقعية في توصيف الوضع، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن مسار احتكار القوة لا يزال غير مكتمل.

ولا يقتصر هذا التحدي على الجنوب. فغياب الضبط للحدود مع سوريا يسمح باستمرار التهريب، الذي يشكّل رافعة مالية لـ "الحزب" و"الحركة". كما إن استمرار تحويل مئات ملايين الدولارات من الأموال العامة إلى مجلس الجنوب يعمّق منطق الزبائنية ويكرّس نفوذ "الثنائي". ويضاف إلى ذلك ملف السلاح الفلسطيني، الذي لا يزال مؤجلًا بانتظار توافقات خارجية، في حين أن حسمه يفترض أن يكون قرارًا سياديًا داخليًا لا يخضع لحسابات إقليمية.

تكشف هذه الملفات أن الإشكال يتجاوز المصطلحات والتقارير ليطال بنية النظام السياسي اللبناني نفسها. فالنظام المركزي القائم لا يسمح بوضع استراتيجية سيادية واضحة ولا بتنفيذ قرارات حاسمة، ويفرض على الدولة العمل ضمن منطق التسويات الدائمة. وحتى من يملك قناعة راسخة بمفهوم السيادة يجد نفسه محكومًا بهوامش ضيقة وقدرة محدودة على الفعل.

من هنا، يمكن قراءة مقابلة الرئيس ولغة المؤسسة العسكرية كتعبير عن واقع سياسي مأزوم أكثر منهما خيارًا مثاليًا. غير أن الخطر يكمن في تحوّل البراغماتية من أداة مرحلية إلى نمط حكم دائم، ما يؤدي إلى تفريغ احتكار القوة من مضمونه وتحويله إلى هدف مؤجل بلا أفق زمني واضح.

يرتكز رهان الدولة في المرحلة الراهنة إلى حدّ كبير على عامل الزمن، عبر الحفاظ على مستوى مقبول من الاستقرار بانتظار تبدلات إقليمية قد تفتح المجال أمام قرارات أكثر وضوحًا وحسمًا. إلا أن التجربة اللبنانية، ولا سيما في المراحل التي أعقبت "اتفاق القاهرة" ثم اتفاق الطائف، تشير إلى أن الإقامة الطويلة في المنطقة الرمادية نادرًا ما تقود إلى سيادة مكتملة، وغالبًا ما تفضي إلى أزمات أشد أو إلى فرض تسويات من الخارج.

في المقابل، وضمن هذا النظام المأزوم نفسه، يعتمد "الثنائي" استراتيجية موازية تقوم أيضًا على كسب الوقت، بهدف الحفاظ على قدراتهما العسكرية وتجاوز الضغوط الإقليمية والدولية. غير أن التاريخ يبيّن أن مثل هذه التوازنات تبقى هشة، إذ سرعان ما تتآكل تحت وطأة التدخلات الخارجية أو الانفجارات الداخلية.

في هذا السياق، لا يمكن فصل مسألة احتكار الدولة للقوة عن الحاجة إلى مبادرة سياسية تأسيسية تقودها رئاسة الجمهورية نفسها. فاستعادة السيادة لا يمكن أن تكون مسارًا أمنيًا أو عسكريًا فحسب، بل تتطلب قبل كل شيء إعادة بناء التوافق الوطني. من هنا، تبرز مسؤولية الرئيس في الدعوة إلى حوار وطني حقيقي وشامل، لا يهدف إلى إدارة الخلافات القائمة فقط، بل إلى بلورة عقد اجتماعي جديد يعكس التحولات العميقة التي شهدها لبنان، ويعيد تعريف علاقة الدولة بمواطنيها وبمكوناتها السياسية والطائفية.

هذا العقد الاجتماعي يجب أن يشكّل المدخل لإعادة النظر في النظام السياسي نفسه، بما يسمح ببناء دولة قادرة وقابلة للحكم، وقادرة على ترجمة التوافق الوطني إلى مؤسسات فاعلة وآليات قرار واضحة. فقد أثبت النظام الحالي، بصيغته المركزية المشلولة وتوازناته المفروضة بالقوة، عجزه عن إنتاج سيادة فعلية أو استقرار مستدام.

احترام الرئاسة لا يلغي القلق المشروع، بل يستدعيه. فإذا كانت الدولة تسعى فعلًا إلى استعادة دورها، فإن ذلك يتطلب وضوحًا كاملًا بين الخطاب والقرارات والتنفيذ، وخارطة طريق واضحة المعالم. وفقط من خلال عقد اجتماعي جديد ونظام سياسي قادر على حمايته، يمكن للرئاسة أن توفر إطارًا وطنيًا جامعًا يقود إلى احتكار فعلي لاستخدام القوة، ويضع البلاد على مسار استعادة السيادة.


الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ